بقلم: د. نجلاء الورداني
أعادت واقعة الطفل الذي جرى اصطحابه إلى والده لتسليمه، قبل أن يرفض الأب استلامه في البداية ثم يتسلمه لاحقًا بمحضر رسمي، طرح العديد من الأسئلة المتعلقة بالأسرة والطفولة والتنشئة الاجتماعية. غير أن أهمية هذه الواقعة لا تكمن في تفاصيلها القانونية أو في تحديد المسؤولية الأخلاقية لأي من الأطراف بقدر ما تكمن في دلالاتها الاجتماعية العميقة، وما تكشف عنه من تحولات في طبيعة العلاقات الأسرية وآثارها على الأطفال بوصفهم الحلقة الأضعف في منظومة الصراع.
فعلى المستوى السوسيولوجي، تمثل الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى المسؤولة عن التنشئة الاجتماعية وإكساب الطفل منظومة القيم والمعايير والاتجاهات التي تمكنه من الاندماج في المجتمع. ومن خلالها يتعلم الطفل معاني الثقة والانتماء والتعاون والأمان. غير أن هذه الوظيفة تتعرض للاهتزاز عندما تتحول الأسرة من فضاء للرعاية والاحتواء إلى ساحة للصراع والتجاذب القانوني والعاطفي بين الوالدين.
إن الطفل لا يقرأ المحاضر ولا يفهم النصوص القانونية، لكنه يدرك جيدًا الرسائل الرمزية التي تصله من المحيطين به. وعندما يجد نفسه محورًا للنزاع أو موضوعًا للتفاوض أو الرفض أو القبول المشروط، فإنه يتلقى رسائل اجتماعية ونفسية قد تؤثر في تكوين صورته عن ذاته وعن الآخرين. ومن هنا يمكن النظر إلى مثل هذه الوقائع باعتبارها شكلًا من أشكال العنف الرمزي الذي لا يترك آثارًا جسدية ظاهرة، لكنه قد يترك جروحًا نفسية واجتماعية ممتدة.
وتشير الأدبيات السوسيولوجية المعاصرة إلى أن التنشئة الاجتماعية السليمة لا تعتمد فقط على توافر الموارد المادية، وإنما تعتمد أيضًا على ما يمكن تسميته بـ"رأس المال العاطفي"، أي مخزون الحب والقبول والدعم النفسي الذي يحصل عليه الطفل داخل أسرته. فالشعور بالأمان العاطفي يمثل أحد أهم الشروط اللازمة لنمو الشخصية المتوازنة. وعندما يتعرض هذا الرصيد للاستنزاف نتيجة الصراعات الأسرية المتكررة، يصبح الطفل أكثر عرضة للقلق واضطرابات الثقة ومشكلات التوافق الاجتماعي.
كما تكشف الواقعة عن إشكالية مهمة تتمثل في اتساع الفجوة بين القانون والعاطفة. فالقانون يستطيع أن يحدد حقوق الحضانة والرؤية والاستضافة، وأن ينظم إجراءات التسليم والاستلام، لكنه لا يستطيع أن يفرض المودة أو يصنع الانتماء أو يضمن الدفء الأسري. ومن ثم فإن نجاح الإجراءات القانونية لا يعني بالضرورة نجاح عملية التنشئة الاجتماعية، لأن الأخيرة ترتبط بجوانب وجدانية وإنسانية تتجاوز حدود النصوص القانونية.
ومن منظور نظرية التفاعل الرمزي، فإن الطفل يبني فهمه لذاته من خلال تفاعلاته اليومية مع الأشخاص المهمين في حياته، وعلى رأسهم الوالدان. ولذلك فإن مشاهد الصراع والرفض والتوتر لا تُختزن بوصفها أحداثًا عابرة، بل تتحول إلى معانٍ ورموز تساهم في تشكيل إدراكه لنفسه ولمكانته داخل الأسرة. وقد يترتب على ذلك ظهور أنماط من الشعور بعدم الأمان أو الخوف من الهجر أو ضعف الثقة في العلاقات الإنسانية مستقبلًا.
الأكثر خطورة أن مثل هذه الوقائع لم تعد محصورة داخل جدران المنزل، بل أصبحت تنتقل بسرعة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يضاعف من آثارها الاجتماعية. فالطفل لا يصبح فقط طرفًا في نزاع أسري، بل قد يتحول إلى موضوع للنقاش العام والتعليق المجتمعي، بما يحمله ذلك من احتمالات الوصم والتشهير وانتهاك الخصوصية.
إن المجتمع الذي يسعى إلى حماية أطفاله لا ينبغي أن يكتفي بمتابعة الإجراءات القانونية أو الانشغال بتحديد المنتصر في النزاع، بل يجب أن يركز على مصلحة الطفل بوصفها المعيار الحاكم لكل القرارات والتدخلات. فالطفولة ليست ساحة لتصفية الحسابات بين الكبار، وإنما مرحلة تأسيسية تتشكل خلالها ملامح الشخصية والهوية والانتماء الاجتماعي.
وفي النهاية، قد تنتهي النزاعات الأسرية بأحكام قضائية أو بمحاضر رسمية، لكن آثارها لا تنتهي بالضرورة في وجدان الأطفال. فبينما يستطيع القانون أن ينظم العلاقات، تبقى مهمة بناء الإنسان مسؤولية أخلاقية واجتماعية تتطلب من الأسرة أن تظل، رغم الخلافات، فضاءً للحب والاحتواء والأمان. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس من الذي ربح النزاع؟ بل كيف يمكن حماية الطفل من أن يصبح الخاسر الأكبر فيه؟
تعليقات
إرسال تعليق