التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوبة الصادقة والثبات على الطاعة من درر مُحتسب العلماء الفقيه السلوكي الفذ الشيخ أحمد زروق


 

كيف يحقق العبد الثبات بعد التوبة الصادقة ويحمي قلبه من النكوص والعودة للذنب؟

يرتكز الثبات على ثلاثة أقطاب عملت عليها الشريعة؛ تبدأ بتحقيق النية الجازمة، والفرار من مواطن الزلل، واللجوء الدائم لله عز وجل.

أسباب الثبات بعد التوبة

ترتكز التوبة الصادقة على دعائم متينة تضمن للقلب ثباته، وتحميه من العودة لمواطن الزلل من خلال منهجية إيمانية وعملية واضحة، وَهُوَ دَائِرٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْطَابِ، هِيَ لَهُ كَالعُمَدِ وَالْأَبْوَابِ:

الْقُطْبُ الْأَوَّلُ مِنَ الْمَوْقِفِ الْأَوَّلِ: تَحْقِيقُ النِّيَّةِ.

وذلك بتصميم العزم على عدم الْعَوْدِ لما خُرِجَ عنه جُمْلَةً عند الابتداء، وتفصيلاً في الدوام، إذ لا يلزم عند جزم التوبة تذكار تفاصيل ما وقعت التوبة منه؛ لمشقته، لكن تُتْبَعُ بأحكامها بعد ذلك.

ودواعي الثبات في هذا العزم ثلاثة أشياء:

  • أحدها: أن تفر من المحل الذي تخشى منه عَوْدَهُ جملة، وإلا ففي الوقت الذي تخشى ذلك فيه، أو عند ظهور أول أسبابه.

  • الثاني: اِتِّهَامُ النفس بوجود بقايا النُّزُوعِ إليه، حتى تكون على حذر منه، وإلا وقعت فيه قبل الشعور بسببه أو وقته.

  • الثالث: إشغال النفس عنه بما يقابله، حِسًّا في الحِسِّيَّاتِ، ومعنى في المعنويات، دون تَعْرِيجٍ عليه، لا من الوجه الذي خرج عنه لأجله، ولا من الوجه الذي خرج عنه به، ولذلك قالوا: ينبغي على كل من ذكر ذنبه تجديد الندم عليه، فافهم.

أخطر أسباب العودة إلى الذنب

ودواعي الرجوع إليه ثلاثة:

  • أحدها: الغفلة عن الندم، أو التَّنَدُّمِ عند تذكاره؛ لأنه يورثك ذكره دون ذلك ارتسام صورته في النفس، حتى يجد خِلْسَةً لِتَمَكُّنِهِ عند اشتغال عوالم القلب بما هو مُسْتَغْرِقٌ له كَالْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ.

  • الثاني: المسامحة بإعارة الطَّرْفِ لمحله أو سببه أو وقته، ولو في لحظة، وإن كانت على وجه من الاعتبار، إلا مع تكرار الندم وتحقيق الْأَنَفَةِ، وهو أَتَمُّ من الندم؛ لأن حديث العداوة قد يثير رِقَّةً وحلاوة، لا سيما مع تجدد محل الأذى وهو نفس الفعل.

  • الثالث: الثقة بالنفس في عزمها، وحسن الظن بها في حالها، ومراجعة محل السبب لاختبارها، ولو بإخطار ذلك على البال، دون تأمل؛ فإنه بمثابة رَشَّاشِ الماء للنار الخامدة، لا يزيدها إلا اشتعالاً، والنفس نار كَامِنَةٌ عند ظهور الحق عليها، لا يأمنها إلا غَبِيٌّ، ولا يحذرها إلا عاقل ذكي، فاعلم ذلك.

وقد قال الْجُنَيْدُ رحمه الله تعالى: لا تَرْكَنْ إلى نفسك وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك، وأنشدوا في ذلك:

تَوَقَّ نَفْسَكَ لَا تَأْمَنْ غَوَائِلَهَا *** فَالنَّفْسُ أَخْبَثُ مِنْ سَبْعِينَ شَيْطَانًا

قد لا تشمل التوبة، فيكون الحكم في مُتَعَلَّقِهَا على حسب حالها ومحلها، وقد يختل النظام بِالْعَوْدِ، فيعود الحكم ثانياً كما كان أولاً، ويلزم التحفظ الآن أكثر، مع البحث عن وجه الرجوع حتى يُحْسَمَ، إذ لا يخفى السبب بعد الْأَوْبَةِ، إلا لِهَوًى غالب مُتَمَكِّنٍ بالجدل.

فإن عارض الشيطان بقوله: "أي فائدة لتوبة يعقبها عَوْدٌ؟!".

قيل له: كما اتخذنا الْعَوْدَ إلى الذنب حِرْفَةً، نتخذ التوبة حِرْفَةً، ولعل الموت يأتي والصفقة تُصَادِفُ.

فإذا عَلَّلَ بِوَهَنِ العزم، رُدَّ بأن المطلوب وجود الصُّوَرِ، لا ما ليس في مَقْدُورِ البشر.

فإن قابل بأنه مَقْدُورٌ، فأعرض عنه لوجوب العمل، عملاً على قول سُفْيَانَ رحمه الله: "ترك الذنوب أيسر من طلب التوبة"، والله تعالى أعلم.

الحذر من النفس في طريق التوبة

فالقلب محل عجز البشر، فلا أَعْوَنَ عليه من دوام اللَّجَإِ إلى الله تعالى في طهارته أولاً، ثم في ثباته آخراً، فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يكثر من قوله: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، وهو ذكر هذا القطب ودعاؤه، وكذلك: ﴿لَّاۤ إِلَٰهَ إِلَّاۤ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّی كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِینَ﴾، وتُكرر وِتْراً في آخر كل سجدة لكل دَفْعٍ، وكذلك سيد الاستغفار؛ وهو الدعاء الذي أخرجه البخاري في صحيحه، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ...».

الْقُطْبُ الثَّانِي مِنَ الْمَوْقِفِ الْأَوَّلِ: رَدُّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا وَاسْتِدْرَاكُ مَا ضُيِّعَ أَوَّلًا.

وهو واجب لتحقيق العزيمة، وَرَدِّ الهزيمة، ودفع الهَضِيمَةِ، ومرجعه النظر فيما فُرِّطَ باعتبار ما ثبت منه أو سقط، فاعلم أن الواقع من المآثم، دائر بين ثلاثة أَوْجُهٍ ومعالم:

المَعْلَمِ الْأَوَّلِ: سيئات مُجَرَّدَةٌ عن التَّطْبِيعِ والظُّلَامَاتِ.

ولا كفارة لها إلا العزم والندم على ما فات، والحَزْمُ في المُسْتَأْنَفِ، بدلاً من الإهمال في السَّالِفِ.

علامة التوبة الصادقة

وعلامة الصدق في ذلك ثلاثة أشياء، يعرفها ذوو القلوب الْأَحْيَاءِ:

  1. وجود الحلاوة في الترك، بدلاً من الاسْتِلْذَاذِ بالفكر.

  2. نسيان الخلق لذلك الذنب، وتسخيرهم أو تسليطهم، تذكيراً لِلْمِنَّةِ.

  3. العمل في أسباب الثبات، والتحفظ من النَّكْصِ بكل الجهات.

وعلامات بقائه في النفس، ثلاثة منها يدخل الرجوع واللَّبْسُ:

  1. الاستئناس بذكره، ولو على سبيل الذم والتنفير.

  2. مصابرة النفس في مقدماته أو نتائجه تَسْوِيفاً، ولو بالسماح في أول خاطر أو هاجس، ثقيلاً كان أو خفيفاً.

  3. التَّشَوُّفُ لمن بُلِيَ به ولو بِتَرَحُّمٍ، والتوقف عند دواعي النظر فيه دون تَقَحُّمٍ.

وميراث هذا الترك ثلاثة أشياء، كلها خير في الممات والمَحْيَا:

  • أولها: وجود لذة للعبادة، كما أشار إليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجدُ حَلَاوَتَهَا».

  • الثاني: تحقق الإرادة، وهو بساط الرحمة والإفادة، فقد قيل: "إذا اعتقدت النفوس ترك الآثام جَالَتْ في الملكوت، ورجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة، من غير أن يُؤَدِّيَ إليها عالم عِلْماً، انتهى، وهو عجيب".

  • الثالث: وجود النجاة المصحوبة بِطِيبِ الحياة، قال الله تعالى: ﴿وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰا * وَیَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَحۡتَسِبُۚ﴾.

آثار المعصية والإصرار على الذنب

وميراث المعصية والمُقَامِ عليها، ثلاثة تَعْرِضُ مما لديها:

  1. وجود الذِّلَّةِ في النفس.

  2. ظهور الكِسْفَةِ والنَّكْسِ.

  3. بَخْسُ الحظِّ والْوَكْسِ.

وقد نَبَّهَ الحق سبحانه على ذلك في كتابه العزيز، ذي الحكمة البالغة واللفظ الوجيز، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾، وقال عز من قائل: ﴿وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَتُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِیعًا أَیُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾.

وقال الإمام عَلِيٌّ كَرَّمَ الله وجهه: "من أراد الغنى بغير مال، والعز بغير عشيرة، فلينتقل من ذُلِّ المعصية إلى عِزِّ الطاعة".

وفي هذا يقول الشيخ زروق رحمه الله: "وَلَمَّا شَهِدَ القومُ كلَّ شيءٍ سواه تعالى باطلاً جرى على ألسنتهم من أسمائه (الحق)، كما أن الْمُتَكَلِّمِينَ لما رأوه من حيث الْبَرْءِ وهو الخلق لم يجر على ألسنتهم غير (البارئ)، والفقهاء لما كانت مخاطبتهم من حيث أمره لم يبالوا بما جرى على ألسنتهم من ذكره، فافهم".

الخلاصة

التوبة الصادقة رحلة إصلاح تبدأ من القلب وتمتد إلى السلوك والعمل والعلاقات، وهي باب الرحمة المفتوح لكل من أراد العودة إلى الله بإخلاص وثبات. وكلما ازداد العبد مجاهدة لنفسه وافتقاراً إلى ربه، ازداد قرباً وطمأنينة ونوراً في حياته.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...