كما أن برَّ الوالدين وطاعتهما من أعظم الواجبات الشرعية، فإن الإحسان إلى الزوجة واحترامها وصون كرامتها من الواجبات التي أمر بها الإسلام. فالزوجة، قبل انتقالها إلى بيت زوجها، كانت ابنةً مُكرَّمةً معززةً في بيت أهلها، ومن ثم فإن انتقالها إلى عصمة زوجها لا ينبغي أن يكون سببًا في الانتقاص من قدرها أو إهدار كرامتها، بل يجب أن يكون الزوج سندًا لها، يحفظها ويصونها ويعاملها بالمعروف.
أكتب هذه الكلمات بعدما أصبحنا نشهد في واقعنا حالاتٍ مؤلمة لنساءٍ كنَّ مكرماتٍ في بيوت أهلهن، ثم أصبحن يتعرضن للإهانة والذل على يد أزواجهن، وهم آباء أبنائهن. فقد بات بعض الأزواج يطالبون زوجاتهم بالعمل للمساهمة في نفقات الأسرة، ثم يتطور الأمر إلى تحميل الزوجة جميع الأعباء المالية التي أوجبها الشرع على الزوج، فتتحمل نفقات البيت، وتكدُّ وتتعب من أجل توفير حياة كريمة لأطفالها، بل وقد تتحمل سداد ديون زوجها أيضًا.
وللأسف، انتشرت في مجتمعنا نماذج مؤسفة يصل فيها الأمر إلى أن يمتنع الزوج عن العمل اعتمادًا على دخل زوجته، فتتحول الزوجة إلى المعيل الوحيد للأسرة، بينما تتحمل في الوقت نفسه مسؤوليات المنزل وتربية الأبناء.
فهل هذا ما أمر الله به أيها الزوج؟ وهل أمرك الله أن تحرم أبناءك من رعاية أمهم، التي تنشغل طوال يومها في العمل والسعي وراء لقمة العيش التي كان الواجب عليك أن توفرها لهم؟ اتقِ الله في زوجتك وأبنائك، فأنت لم تتزوج لتجعل من زوجتك مصدرًا للإنفاق عليك، وإنما تزوجتها لتكرمها، وتحسن عشرتها، وتوفر لها الأمن والاستقرار.
وإذا اختارت الزوجة العمل، سواءً بحكم تعليمها أو لأنها تشغل وظيفة مرموقة، فإن ذلك لا يسقط عن الزوج مسؤوليته الشرعية في الإنفاق على زوجته وأبنائه وبيته. كما أن راتب الزوجة ودخلها حقٌّ خالص لها، لا يجوز لأحد أن يستولي عليه أو يجبرها على الإنفاق منه إلا برضاها واختيارها.
بل إن من تمام المروءة وحسن العشرة أن يوسع الزوج على زوجته، ويكرمها، ولا يبخل عليها، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقد كرَّم القرآن الكريم المرأة تكريمًا عظيمًا، ورفع مكانتها، وأزال ما كان يقع عليها من ظلم، وساوى بينها وبين الرجل في التكليف والثواب، وجعلها شريكًا أساسيًا في بناء الأسرة والمجتمع.
فالأسرة لا تُبنى بالقهر ولا بالاستغلال، وإنما تقوم على المودة والرحمة، والتعاون، والعدل، وتحمل كل طرفٍ للمسؤوليات التي أوجبها الله عليه، حتى يسود الاستقرار وتتحقق السكينة التي جعلها الله أساس الحياة الزوجية.

تعليقات
إرسال تعليق