التخطي إلى المحتوى الرئيسي

برُّ الزوجة واجبٌ شرعًا على الزوج


بقلم: المستشارة شيماء سحاب

المحامية بالنقض والدستورية العليا

كما أن برَّ الوالدين وطاعتهما من أعظم الواجبات الشرعية، فإن الإحسان إلى الزوجة واحترامها وصون كرامتها من الواجبات التي أمر بها الإسلام. فالزوجة، قبل انتقالها إلى بيت زوجها، كانت ابنةً مُكرَّمةً معززةً في بيت أهلها، ومن ثم فإن انتقالها إلى عصمة زوجها لا ينبغي أن يكون سببًا في الانتقاص من قدرها أو إهدار كرامتها، بل يجب أن يكون الزوج سندًا لها، يحفظها ويصونها ويعاملها بالمعروف.

أكتب هذه الكلمات بعدما أصبحنا نشهد في واقعنا حالاتٍ مؤلمة لنساءٍ كنَّ مكرماتٍ في بيوت أهلهن، ثم أصبحن يتعرضن للإهانة والذل على يد أزواجهن، وهم آباء أبنائهن. فقد بات بعض الأزواج يطالبون زوجاتهم بالعمل للمساهمة في نفقات الأسرة، ثم يتطور الأمر إلى تحميل الزوجة جميع الأعباء المالية التي أوجبها الشرع على الزوج، فتتحمل نفقات البيت، وتكدُّ وتتعب من أجل توفير حياة كريمة لأطفالها، بل وقد تتحمل سداد ديون زوجها أيضًا.

وللأسف، انتشرت في مجتمعنا نماذج مؤسفة يصل فيها الأمر إلى أن يمتنع الزوج عن العمل اعتمادًا على دخل زوجته، فتتحول الزوجة إلى المعيل الوحيد للأسرة، بينما تتحمل في الوقت نفسه مسؤوليات المنزل وتربية الأبناء.

فهل هذا ما أمر الله به أيها الزوج؟ وهل أمرك الله أن تحرم أبناءك من رعاية أمهم، التي تنشغل طوال يومها في العمل والسعي وراء لقمة العيش التي كان الواجب عليك أن توفرها لهم؟ اتقِ الله في زوجتك وأبنائك، فأنت لم تتزوج لتجعل من زوجتك مصدرًا للإنفاق عليك، وإنما تزوجتها لتكرمها، وتحسن عشرتها، وتوفر لها الأمن والاستقرار.

وإذا اختارت الزوجة العمل، سواءً بحكم تعليمها أو لأنها تشغل وظيفة مرموقة، فإن ذلك لا يسقط عن الزوج مسؤوليته الشرعية في الإنفاق على زوجته وأبنائه وبيته. كما أن راتب الزوجة ودخلها حقٌّ خالص لها، لا يجوز لأحد أن يستولي عليه أو يجبرها على الإنفاق منه إلا برضاها واختيارها.

بل إن من تمام المروءة وحسن العشرة أن يوسع الزوج على زوجته، ويكرمها، ولا يبخل عليها، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقد كرَّم القرآن الكريم المرأة تكريمًا عظيمًا، ورفع مكانتها، وأزال ما كان يقع عليها من ظلم، وساوى بينها وبين الرجل في التكليف والثواب، وجعلها شريكًا أساسيًا في بناء الأسرة والمجتمع.

فالأسرة لا تُبنى بالقهر ولا بالاستغلال، وإنما تقوم على المودة والرحمة، والتعاون، والعدل، وتحمل كل طرفٍ للمسؤوليات التي أوجبها الله عليه، حتى يسود الاستقرار وتتحقق السكينة التي جعلها الله أساس الحياة الزوجية.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...

العالمات والفقيهات في تاريخ الحضارة العربية: نماذج مضيئة في العلم والفقه

د. وليد مبارك  في اليوم العالمي للمرأة، نستذكر النساء الرائدات في مختلف المجالات، وخاصة في العلوم والفقه الإسلامي والحضارة العربية . فعلى مر العصور، لم يكن العلم حكرًا على الرجال، بل شهد التاريخ الإسلامي بروز نساء عالمات وفقيهات تركن بصمات واضحة في مختلف العلوم. لقد كان لهن دور بارز في الحديث، والفقه، والتفسير، وحتى تأسيس المؤسسات العلمية، مما يعكس المكانة العظيمة التي منحها الإسلام للمرأة في مجال المعرفة. السيدة عائشة بنت أبي بكر (ت 58هـ/678م) كانت من كبار رواة الحديث، حيث روت أكثر من 2200 حديث، وكان الصحابة يرجعون إليها في المسائل الفقهية والتفسيرية، مما جعلها من أعظم فقيهات الإسلام. أم الدرداء الصغرى (ت 81هـ/700م) برزت كمحدّثة بارعة في العصر الأموي، وكانت تدرّس الحديث في المسجد الأموي بدمشق، وتلقى علمها كبار العلماء من الرجال والنساء. فاطمة الفهرية (ت 265هـ/878م) ليست فقط فقيهة، بل مؤسسة لجامعة القرويين في فاس، التي تُعدّ أقدم جامعة في العالم، ما يدل على دور المرأة في نشر العلم وتأسيس المؤسسات الأكاديمية. زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم (ت 740هـ/1339م) كانت محدّثة بارعة، درّست صحيح ...