د. نجلاء الورداني
لم تكن المأساة مجرد جريمة قتل، بل كانت لحظة انهيار كاملة لمنظومة من القيم التي ظل المجتمع يقدسها عبر تاريخه. ففي لحظة واحدة، سقط الأب ضحية للعنف، وسقط الابن أخلاقيًا قبل أن يسقط قانونيًا، ثم انهارت الأم تحت وطأة الحقيقة، بعدما اكتشفت أن شريك العمر قد رحل على يد الابن الذي حملته بين ذراعيها وربّته على أمل أن يكون سندًا للحياة، لا سببًا في فنائها.
إن فداحة المشهد لا تكمن في عدد الضحايا، وإنما في طبيعة العلاقة التي تحطمت. فحين تتحول رابطة الأبوة والبنوة، القائمة على الرحمة والبر والوفاء، إلى علاقة تحكمها المصلحة المادية، فإننا لا نكون أمام جريمة فردية فحسب، بل أمام جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة منظومة القيم التي تحكم حياتنا.
فالأسرة كانت، ولا تزال، المؤسسة الأولى التي يتشكل فيها الضمير الإنساني، ويتعلم فيها الأبناء معنى الاحترام، والامتنان، وحدود الحق، وقدسية الحياة. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وما صاحبها من تصاعد النزعة الاستهلاكية، أفرزت ثقافة تقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمل من أخلاق، فأصبح المال لدى البعض معيارًا للنجاح، وتراجعت مكانة القيم أمام سطوة المصالح.
لقد فرضت هذه التحولات نمطًا من التفكير يقوم على المنافسة المحمومة، واللهاث خلف الثراء السريع، وربط المكانة الاجتماعية بحجم الممتلكات. ومع انتشار هذا المنطق، تراجعت قيم الصبر والقناعة والتكافل والرضا، لتحل محلها الفردية المفرطة والرغبة في الوصول إلى كل شيء بأقصر الطرق، حتى وإن كان الثمن هو الأسرة نفسها.
ولا يمكن إغفال أثر البيئة الرقمية والإعلامية التي تقدم أحيانًا نماذج تختزل النجاح في المال والشهرة، وتُغري البعض بفكرة المكسب السريع، بينما تتراجع النماذج التي تعلي من قيمة العمل الشريف، وبر الوالدين، وتحمل المسؤولية. كما أن ضعف الحوار داخل الأسرة، واتساع الفجوة بين الأجيال، وانشغال الوالدين بضغوط الحياة، قد يخلق فراغًا قيميًا يسمح للأفكار المنحرفة بأن تجد طريقها إلى النفوس.
إن القانون يملك أن يعاقب الجاني، لكنه لا يملك أن يصنع الضمير. فالضمير يُبنى داخل الأسرة، وتغذيه المدرسة، وترسخه المؤسسات الدينية، وتدعمه وسائل الإعلام، ويصونه المجتمع بأكمله.
لذلك فإن الوقاية الحقيقية من مثل هذه المآسي لا تبدأ في ساحات المحاكم، بل تبدأ في البيوت، عندما يتعلم الطفل أن الإنسان يُقاس بما يمنحه من حب ورحمة وعدل، لا بما يملكه من مال.
إن هذه المأساة ليست دعوة إلى إدانة أسرة بعينها، ولا إلى إصدار أحكام قاسية على أشخاص بعينهم، وإنما هي دعوة صادقة إلى مراجعة الذات.
فكل جريمة تهز المجتمع تحمل رسالة خفية تقول إن هناك خللًا ينبغي إصلاحه قبل أن يتحول إلى ظاهرة.
قد يخسر الإنسان ماله فيعوضه، وقد يفقد منصبًا فيسترده، لكن إذا خسر ضميره فلن يعوضه شيء.
وحين ينتصر المال على الدم، لا يكون الأب وحده هو الضحية، ولا الأم وحدها هي المكلومة، ولا الابن وحده هو الخاسر، بل تصبح الأسرة كلها ضحية، ويصبح المجتمع بأسره مدعوًا إلى أن يسأل نفسه: كيف وصلنا إلى زمنٍ أصبح فيه المال أغلى من الأب، وأثمن من الأم، وأقوى من الرحمة؟
إن الأوطان لا يحميها القانون وحده، بل تحميها منظومة من القيم الحية. فإذا مات الضمير داخل الأسرة، فلن يبقى المجتمع بمنأى عن الخطر، لأن انهيار الأسرة هو بداية انهيار المجتمع، وحماية الإنسان تبدأ دائمًا من حماية إنسانيته.
تعليقات
إرسال تعليق