د. نجلاء الورداني
لم تكن تعرف أن الخيانة يمكن أن تكون بهذا الوجع.
تجلس بجواره، تظن أن قربها منه أمان، وأن سنوات العِشرة التي جمعتهما كافية لأن تجعل قلبه لا يرى امرأة أخرى. كانت تظن أن البيت الذي بنياه معًا، والسنوات، والذكريات، وكل ما تقاسماه، أشياء تكفي لأن تحمي علاقتهما للأبد.
ولكنه لا يقنع بالمقسوم ويتطلع للبعيد.
هاتفه مفتوحًا أمامها، والمكالمات تأتي تباعًا.
امرأة تتحدث معه بدلال، وأخرى تضحك معه، وثالثة ترسل له ما يجعل قلب زوجته ينقبض في صمت.
لم تكن تسمع الحكايات من أحد، ولم تكن تظن أو تتخيل... تسمع بنفسها وترى بعينيها.
والأصعب من كل ذلك أنه لم يشعر أنه يرتكب ما يؤاخذ عليه أو يُعاب.
يتعامل مع الأمر ببساطة شديدة، وكأن ما يفعله مجرد حديث عابر لا يستحق أن تُبنى عليه مشكلة أو أزمة.
أما هي، ففي كل مرة تسمع فيها صوت امرأة أخرى، تشعر بشيء ينكسر داخلها.
لم يكن الألم فقط لأنه يتحدث مع غيرها.
بل في السؤال الذي ظل يطاردها:
كيف استطاع أن يفعل ذلك وأنا بجواره؟
لماذا يمازح غيري، وأنا التي شاركته عمرًا وبيتًا وذكريات؟
هل وجودي إلى جواره لا يمنعه من البحث عن اهتمام امرأة أخرى؟
تحاول أن تقنع نفسها بأنه ربما لا يقصد شيئًا، وربما هي تبالغ، وربما تلك مجرد مكالمات لا قيمة لها.
لكن القلب لا يكذب.
تشعر بالإهانة في كل مرة تسمع فيها صوت امرأة أخرى على هاتف زوجها، وبالخذلان في كل مرة تراه يتعامل مع الأمر وكأنه حق طبيعي له.
تريد منه شيئًا بسيطًا جدًا:
أن يشعر بوجعها.
أن ينظر إلى عينيها ويقول:
"لقد وجعتك".
ولكنه لم يفعل.
يرى نفسه بريئًا؛ لأنه في نظره لم يفعل خيانة بالمعنى الذي يتصوره هو.
وهنا وجعها الأكبر.
يحسب الخيانة علاقة كاملة.
وتحسبها كلمة، أو اهتمامًا زائدًا، أو مكالمة سرية، أو رسالة، أو مساحة من القلب يمنحها الزوج لامرأة أخرى، وزوجته جواره.
الخيانة تبدأ عندما يعرف أن شيئًا ما سيؤذيها، ثم يفعله، وبعد ذلك يبحث عن مبرر يقنع به نفسه أنه لم يفعل شيئًا.
هي لا تبكي على امرأة بعينها.
بل تبكي على نفسها.
على صورتها التي اهتزت في عينيها.
على ثقتها التي لم تعد كما كانت.
على سنوات ظنت فيها أنها وحدها في قلب الرجل الذي اختارته.
وأكثر ما يؤلمها أنها لم تعد تعرف أي شيء تصدقه.
هل كلماته لها صادقة؟
هل لحظاتهما الجميلة حقيقية؟
عندما يقول لها: "أنتِ كل حياتي" يعنيها فعلًا!
أم يعني امرأة أخرى؟
تجلس بجواره، تسمع المكالمات، وتصمت.
لم تكن عاجزة عن العتاب.
لكنها منهكة من تكرار العتاب.
وفي لحظة كاشفة، فهمت أن المشكلة لم تعد في الهاتف، ولا في النساء، ولا حتى في المكالمات الجريئة.
المشكلة في رجل لم يعد يرى ألم زوجته سببًا كافيًا ليتوقف.
خيانته لا تقتل الحب فقط، لكنها تقتل معه الأمان.... نعم الأمان.
وحين يموت الأمان، تتساءل:
هل أعيش في بيت مع شخص يؤلمني، ثم يقنع نفسه أنه لم يفعل شيئًا؟
هذا هو وجعها الحقيقي...
مصدر أمانها، أصبح هو نفسه سبب خوفها وقلقها وانكسارها ووحدتها.
تمنت لو خانها بعيدًا عن عينيها، لكان الألم أقل.
لكن أن تسمع، وترى، وتعرف.. ثم يقول لها:
"أنا لم أفعل شيئا"!
أن يسمع وجعك، ثم يناقشك في حقه.. وكيف يؤلمك؟
أن يخونك وأنت تحبه، ثم لا يرى أنه خذلك وأهانك.
ثم يرى دموعك، ولا يتوقف.
فهذه هي الخيانة الأشد...
تعليقات
إرسال تعليق