د. نجلاء الورداني
لم تكن الأم تعرف أن الصباح الذي ودعت فيه أبناءها الستة سيكون آخر صباح تسمع فيه أصواتهم.
كانت واقفة عند الباب، تراقبهم وهم يستعدون للخروج.
واحد يربط حذاءه على عجل، وآخر يبحث عن هاتفه، وثالث ينادي على أخيه كي لا يتأخروا.
أصواتهم كانت تملأ البيت.
قالت لهم، كعادتها:
"خلي بالكم من أنفسكم."
لم تكن تعرف أن هذه الجملة البسيطة ستظل عالقة في قلبها إلى الأبد.
خرجوا.
وأُغلق الباب.
ثم بدأ الانتظار.
في البداية كان انتظارًا عاديًا.. ذلك الانتظار الذي تعرفه كل أم حين يخرج أبناؤها إلى العمل.
تعدّ الساعات، تنظر إلى الهاتف، وتقول:
"لسه بدري."
ثم رن الهاتف.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد شيء في البيت كما كان.
خبر عن حادث.
سيارات إسعاف.
مستشفى.
أسماء تتردد.
ثم اسم ابن.
ثم اسم آخر.
ثم ثالث.
كانت تحاول أن تفهم، لكن عقلها كان يرفض أن يفهم.
ستة؟
لا.
مستحيل.
كيف يمكن لقلب أم أن يستوعب أن أبناءها الستة الذين خرجوا معًا قد لا يعودون؟
ربما كانت في تلك اللحظة تبحث عن أي احتمال صغير ينقذها من الحقيقة.
"يمكن حد غلط في الأسماء."
"يمكن ولادي في مستشفى تاني."
"يمكن يكونوا مصابين بس."
"يمكن بعد شوية يدخلوا عليَّ من الباب ويقولوا لي: إحنا هنا يا أماه."
كانت تتشبث بكلمة "يمكن" كأنها آخر خيط بينها وبين الحياة.
وحين جاءت الحقيقة، لم تصرخ في البداية.
هناك صدمات أكبر من الصراخ.
جلست ساكنة.
تنظر أمامها.
وكأن عقلها توقف عن العمل، بينما قلبها ظل يكرر سؤالًا واحدًا:
"كلهم؟"
كيف يمكن للأم أن تبكي ستة أبناء دفعة واحدة؟
على من تبكي أولًا؟
ومن تنادي باسمه؟
وكيف تختار بين ستة قلوب كانت تحفظ نبض كل واحد منها؟
ربما تذكرت يوم ميلاد كل واحد.
أول خطوة.
أول كلمة.
أول يوم مدرسة.
أول مرة عاد فيها أحدهم إليها باكيًا.
ربما تذكرت كيف كانت تجمعهم حولها وهم صغار، وكيف كان أحدهم ينام على كتفها، بينما يتشاجر الآخران على شيء صغير لا تتذكره الآن.
وفجأة..
أصبح البيت واسعًا بشكل مخيف.
السرير موجود.
الملابس موجودة.
الأحذية في مكانها.
الكوب الذي شرب منه أحدهم بالأمس ربما ما زال على الطاولة.
لكن أصحاب هذه الأشياء رحلوا.
وهنا يبدأ نوع آخر من الألم.
ألم التفاصيل.
أن تدخلي الغرفة فتبحثي بعينيك عن ستة وجوه فلا تجد واحدًا.
أن تسمعي صوتًا في الخارج فتلتفتين تلقائيًا، ثم تتذكرين.
أن يأتي المساء فتنتظرين صوت المفتاح في الباب.
أن تعدّي الأطباق على المائدة، ثم تتوقفين.
ستة أطباق..
ولم يعد هناك من سيجلس أمامها.
قد تتحدث الأم إلى نفسها.
تقول:
"أنا كنت بقول لهم خليكوا بالكم من نفسكم... ليه ما رجعتوش؟"
ثم تصمت.
"طب مين هيناديني يا أمي؟"
وتبكي.
"مين هيفتح الباب؟"
وتبكي أكثر.
لكن أقسى ما في الحكاية ربما ليس لحظة وصول الخبر...
بل اليوم التالي.
حين تستيقظ الأم لثوانٍ وتنسى.
تفتح عينيها وتقول في نفسها:
«ولادي راجعين النهارده.»
ثم تتذكر.
فتسقط الحقيقة عليها مرة أخرى.
كأن الحادث وقع للتو.
وكأن أبناءها يموتون أمام قلبها كل صباح من جديد.
قد يقول لها أحدهم:
«اصبري... ربنا يصبر قلبك.»
وهي تعرف أن الصبر هو الشيء الوحيد الذي تملكه الآن.
لكنها في داخلها قد تتساءل:
"كيف أصبر على ستة؟"
ثم ترفع عينيها إلى السماء.
لا تطلب أن يعودوا...
فهي تعرف أن الموت إذا جاء لا يعيد من أخذ.
ربما تطلب فقط أن يمنحها الله قوة تكفي لبقية العمر.
قوة لتدخل بيتًا كان ممتلئًا بهم.
قوة لتسمع أسماءهم دون أن تنهار.
قوة لتعيش وهي تحمل في صدرها ستة فراغات لا يملؤها شيء.
وربما، في آخر الليل، حين يهدأ الجميع وتبقى وحدها، تهمس:
"أنا مش زعلانة منكم يا ولادي...
أنا بس كنت مستنياكم ترجعوا."
ثم تنظر إلى الباب.
ذلك الباب الذي خرجوا منه في الصباح...
وتظل للحظة، رغم كل شيء، تنتظر أن يُفتح.
تعليقات
إرسال تعليق