بقلم أ.د. عزة شبل محمد
أستاذة اللغويات بكلية الآداب في جامعة القاهرة
وأستاذة اللغة العربية بكلية الدراسات الأجنبية في جامعة أوساكا باليابان
دخلتْ تتسلل إلى المكان، متثاقلة، تمشي على مهلٍ حتى لا يلتفت إليها أحد، تُقدِّم رِجْلاً وتُؤخِّر أخرى. وبالفعل نجحتْ في عبور الباب الزجاجي للعيادة دون أن يلاحظها أحد، بعد أن ظلَّتْ واقفة أمامه لبرهة، فالكل مشغول.
رجلٌ يبلغُ من العمر السبعين يرتدى نظارة ذهبية، يقرأ كتابًا في حجم قبضته، تُطِلُّ منه ورقةٌ بيضاء صغيرة، وتجلسُ بجانبه عصا عاجية ذات رأسٍ مُتحجِّرة. نجحتْ فى أنْ تمرَّ بجانبهما بهدوء، دون يلتفتا إلى تلك الفضولية التى قررتْ أن تدخلَ المكان، مستكشفةً ذلك العالم الجديد.
عالَمان مختلفان، يفصلُ بينهما جدارٌ زجاجي، تلك الصغيرة تمردَتْ على عالمِها الواسع الهادئ، وقرَّرتْ الدخول إلى ذلك المكان الضيق الذي يعج بالضجيج، استطاعتْ أن تجتازَ ذلك الحاجز الوهمي بين العالمين، تخلَّتْ عن عالمِها الوردي الأخضر، وتسللتْ نحو النور المُنْبعث من المكان.
تجاوزت العجوز المنهمك فى القراءة والعصا الجالسة بجواره؛ لتمرَّ بفتاةٍ صغيرة، ترتدي بنطالًا ممزقًا تتدلى منه خيوط رقيقة بطريقة عشوائية، فجذبها وميضُ سلاسلها الذهبية، وأخذتْ تتخيلُّ كم من الوقت يلزمُها حتى تصلَ إلى القلادة التي تتدلي منها. أما الفتاة فقد كانت عيناها مشدوهتان إلى الضوء الأزرق الذي ينبعث من شاشةٍ صغيرة أحكمتْ قبضتها عليها، لا تستطيعُ أنْ تميِّزَ ما بها، فقد كانت الصور متلاحقة، والموسيقى صاخبة، شتَّتتْ انتباهها، لكن عنقَ الفتاةِ الصغيرة ظلَّ مُثبتًا في رقبتها، آخذًا وضع الانحناء أمامَ ذلك الضوء الأزرق.
استطاعتْ أنْ تتجاوزها أيضًا بخفةٍ وسهولة دونَ أنْ تلاحظها الفتاة، فقد كانتْ ذكية، رشيقة القوام، خفيفة الظل، تمشي أحيانًا، وتقفزُ أحيانًا، والمكانُ في الداخل يعجُّ بالحركة، لمَنْ يجيء دورُه.
ينفتحُ البابُ فيدخل أشخاصٌ، ثم ينفتحُ مرةً أخرى، فيخرجُ البعض، وآخرون ينتظرون، تلهيهم الشاشةُ الكبيرة المثبَّتة على الحائط، وبجوارها أرقامٌ تتحركُ في صمت، معلنةً عمن يجيء دورُه للدخول أو الخروج.
كثيرون يجلسون في المكان، يغمضون أعينهم، يظنُّ من يراهم أنَّهم غافلون، لكن بمجرد أن يحين دورُهم، تراهم قد انطلقوا مسرعين، دون الالتفات وراءهم.
ما زالَ البابُ يُفتحُ ويُغلقُ، ولا أحد يلتفتُ إلى تلك الصغيرة التي تسللت خلفَ الحاجزِ الزجاجي. لم تكن وحدها في المكان، فقد كان هناك صغارٌ آخرون، يمسكون بيد أمهم، أحدُهم أحضرَ معه لعبتَه المفضَّلة، والآخر بقبضتِهِ قطعةُ حلوى ملفوفة، ينظرُ إليها من حين لآخر، ويرسل إليها إشارات تطمئنُها بأنه سيفكُّ أسرَها، وأنَّها سوف تنعمُ بالحرية عندما يخرجُ من ذلك المكان، وتستقرُ في بطنِهِ.
المكان مُفعَم بالحركة، سيدةٌ تفتحُ حقيبتها، ممسكةً بكارت الدخول، ثمَّ تعودُ لتجلسَ في مقعدِها، ورجلٌ قد خرجَ للتَّو من غرفةٍ أخرى يجففُ يديه بمنشفةٍ صغيرة. لم يلاحظْها أيضًا، وكأنَّ روحَها قد اعتادتْ الدخول للمكانِ، تتحركُ بخفةٍ وثباتٍ ورشاقة. الكلُّ في وضعِ الانحناء، عندَ الدخول، وعندَ الخروجِ. ولكن لا أحدَ يلتفتُ إلى تلك الصغيرةِ الماكرة.
ظننتُ أول الأمر أنَّ هذه الشَّقية، ربما دخلتْ المكان؛ لتلعبَ مع صغارٍ مثلها، لكننى وجدتُها تتجاوزُهم جميعًا في صمتٍ، وانتابني للحظةٍ شعورٌ بالقلقِ، ثم تضاعفَ خوفي، وازدادتْ سرعةُ دقاتِ قلبي عندما رأيتُها تتجه نحوي، وهي تنظرُ إلىَّ بعيونِها السَّوداء الداكنة، وشعرتُ أنني هدفُها، فارتعبتُ، ولم تكنْ لدى الشجاعة أن أنطقَ، كنتُ أرتدى ماسكًا على فمي، مثلما الكلُّ يفعلون، أحملقُ فيها، وهي تقتربُ منى أكثرَ وأكثرَ بخطى سريعة.
وبمجرد عبورِها، وبعدَ أن توسطتِ الغرفة، فجأةً وقفَ أمامي كائنٌ يرتدي ملابسَ بيضاءَ، ممسكًا عصا طويلة ذات شعرٍ أسود مثل عينيها، فالتقطَها بِسرعةٍ. تنفستُ الصعداء، وأنا أتابعها بطرف عيني، في ثباتٍ مفتعل، والممرضةُ تحملُها برفقٍ شديدٍ على سرير ناعمٍ أبيض؛ لِتخرجَها إلى عالمِها الأخضر مرةً أخرى. يدور برأسِها محاولات التخفي، والشعور بالإحباط، أما أنا، فيدور برأسي مأساة أنها ربما ستنتظرني خلفَ ذلك الباب الزجاجي عندَ خروجي.

تعليقات
إرسال تعليق