من مقدمة كتاب "لطائف المنن في مناقب سيدي أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي"
لابن عطاء الله السكندري
تحقيق أ.د. أنس عطية الفقي
ط مركز جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا للنشر 2022م
"سمعتُ شيخَنا أبا العباس -رضي الله عنه- يقول: جميع
الأنبياء خُلقوا من الرحمة، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- هو عين الرحمة، قال الله
سبحانه وتعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"([1])، صلى
الله عليه وسلَّم وشَرَّفَ وكَرَّمَ، فدعا إلى الله بالبصيرة الواضحة، والبيِّنة
الفائقة، وقرَّب المدارك، وبيَّن المسالك، وحثَّ على سلوك سبيل الهدى، واجتناب
سبيل الردى، فما ترك شيئا يُقَرِّب من الله إلا ودعا إليه، ولا أدبًا يَصلُح أن
يكون العبد به مع الله إلا حث عليه، ولا شيئًا يشغل عن الله إلا وحذر العباد منه،
ولا عملا يقطعهم عن الله إلا وأخرجهم عنه، لا يألو نصحًا في تخليص العباد من أوحال
القُطعة([2]) ومواطن الهَلَكَة، إلى أن تَرَحَّلَ ليلُ الشرك، وانقضت
أغياره([3])، وأضاء نهار الإيمان وأشرقت أنواره، فرفع -صلى الله
عليه وسلم- من الدين لواءه، وتمَّم نظامه، وقرَّر فرائضه وأحكامه، وبيَّن حلالَه
وحرامه.
وكما بيَّن
للعباد الأحكام، كذلك فتح لهم باب الأفهام، حتى قال الراوي: "لقد تَرَكَنَا
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن الطير ليتحرك في السماء فنستفيد منه علمًا"([4])، فبحقٍّ قال الله سبحانه: "لاَ إِكْرَاهَ فِي
الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ"([5]). وقال سبحانه: "اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا"([6]). وقال -صلى الله عليه وسلم-: "تركْتُها بيضاءَ
نَقِيّة"([7]). فجزاه الله خير ما جُزِيَ نبيٌّ([8]) عن أمته.
ولما أكمل -صلى الله عليه وسلم- البيانَ لسبيل الرشاد،
وأَظهرَ المسالك الموصلة إلى الله للعباد، توفّاه الله إلى الدار التي هي خَيْرٌ
له وأولى، بعد أن خُيِّرَ فاختار الرفيق الأعلى.
ثم جعل الحقُّ سبحانه الدُّعاء([9]) إلى الله في أمته أبدًا، ودائمًا
سرمدًا، بما ورثوا منه، وأخذوا عنه، وقد شهد لهم الحق بذلك، وجعلهم أهلا لما
هنالك، قال الله سبحانه: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى"([10]). فقال الشيخُ أبو العباس -رضي الله عنه-: أي على
معاينة، يُعاينُ سبيلَ كلِّ واحدٍ من الأتباع، فيحمله عليها([11]).
ودليل ما قال الشيخُ -رضي الله عنه- اختلاف وصاياه -صلى
الله عليه وسلم- لأصحابه على حسب اختلاف سُبُلِهم، فقال لبلال -رضي الله عنه-:
"أَنْفِقْ بِلَالُ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي العَرْشِ إِقْلَالًا"([12]).
وقال لآخر أراد أن ينخلع عن ماله كله: "أمْسِكْ
عليكَ مالَك([13])، فإنَّهُ إنْ تَدَعْ ورثتَك
أغنياء خيرٌ لك مِنْ أنْ تَدَعَهُم عالةً يتكففون الناس"([14]).
وقال له -صلى الله عليه وسلم- رجل: أوصني، فقال صلى الله
عليه وسلم: "استحي([15]) من الله كما تستحيي من
رجلٍ صالحٍ من قومِك"([16]). وقال له آخر: "أوصني. فقال: لا تغضب"([17]).
وسمعتُ شيخَنا أبا العباس -رضي الله عنه- يقول: فتح الحقُّ
سبحانه وتعالى بقوله: "ومن اتبعني" باب البصائر للأتباع. يريد
الشيخ أن قول الله سبحانه: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى"([18]) أي: ومن اتبعني يدعو إلى الله على بصيرةٍ على ما يقتضيه
اللسان؛ لأنك إذا قلت: زيد يدعو إلى السلطان على نصيحة هو وأتباعه، أي وأتباعه
يدعون إليه على نصيحة.
إذا ثَبَتَ هذا، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يدعو على
بصيرة الرسالة الكاملة، والأولياء يدعون على حسب بصائرهم: قُطْبانيَّة وِصدِّيقيّة
وولاية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "العلماءُ ورَثَةُ الأنبياءِ"([19]).
وقال صلى الله عليه وسلم: "فإن الأنبياءَ لم يُورِّثوا
دينارًا ولا درهمًا وإنما ورَّثوا العلم"([20])، وقال صلى الله عليه وسلم: "علماءُ
أمَّتي كأنبياءِ بني إسرائيل"([21]).
وههنا نكتة([22]): وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقل: علماء أمتي كرسل
بني إسرائيل، فمن الناس من ظنّ أن النبيَّ هو الذي نُبِّئ في نفسه، والرسول هو
الذي أرسل لغيره، وليس الأمر كما ظن هذا القائل، ولو كان كذلك فلماذا خصّ الأنبياء
دون الرسل بالذكر في قوله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، ومما يدلك
على بطلان هذا المذهب قول الله سبحانه: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ.." الآية([23]).
فدل على أن حكم الإرسال يَعُمُّهُمَا، وإنما الفَرْقُ ما
قال بعض أهل العلم: إنَّ النبي لا يأتي بشريعة جديدة، إنما يجيء مقررًا لشريعة([24]) مَنْ كان قبله كيوشع بن نون، فإنه إنما جاء مقررًا
لشريعة موسى، وآمرًا بالعمل بما في التوراة، ولم يأت بشرع جديد، *والرسولُ كموسى
عليه السلام إذ أتى بشرع جديد*([25]) وهو ما تضمنته التوراة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "علماء
أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، أي يأتون مقرِّرين ومؤكدين وآمرين بما جئت به لا
أنهم يأتون بشرع جديد([26]).
([4]) ونصه: قال أبو ذر الغفاري -رضي الله عنه-: "لقد ترَكنَا
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ وما طائر في السَّماءِ يُقلِّبُ جناحيْهِ
إلَّا وقد أوجدنَا فيهِ عِلمًا". أخرجه أحمد 21361، وابن سعد في
"الطبقات الكبرى" 2592، والبزار 3897 واللفظ له.
([7]) عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: حين أتاه عمر فقال: إنا
نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوكت
اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما
وسعه إلا اتباعي. (رواه أحمد والبيهقي في كتاب شعب الإيمان)، وهو حديث حسن. وفي
رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة
وقال: أفِيَّ شَكٌّ؟! أنت يا ابن الخطاب ألَمْ آتِ بها بيضاءَ نَقِيَّة، لو
كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي.
([9]) هذا الفظ "الدعاء" في هذا السياق يعني
"الدعوة"؛ لأن لفظ الدعوة لم يكن متداولًا بمعناه الحالي في ذلك العصر.
فكانوا إذا أرادوا أن يُعَبِّروا عن الدعوة إلى الإسلام قالوا: الدعاء إلى
الإسلام، وهكذا.
([11]) وهذا مما يُفيضه الله تعالى على شيخ التربية مع مريديه أو
أتباعه؛ حيث يُبَصِّره سبحانه بما يصلح نفوسهم فيرشدهم إليه. وهي سُنَّة متبعة منذ
عهد الصحابة والتابعين وأتباعهم.
([12]) أخرجه جمع من المُحَدّثين كالطبراني في الكبير، والإمام أحمد في
الزهد، والبيهقي في الشعب، والبزار في المسند، وغيرهم.
([13]) جزء من حديث طويل متفق عليه: عن كعب بن مالك قال "قُلتُ:
يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ مِن تَوْبَتي أَنْ أَنْخَلِعَ مِن مَالِي صَدَقَةً إلى
اللَّهِ، وإلَى رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ
بَعْضَ مَالِكَ، فَهو خَيْرٌ لَكَ، قُلتُ: فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذي بخَيْبَرَ".
أخرجه البخاري: 2757، ومسلم: 2769.
([14]) حديث: "أنْ تَدَعَ ورَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِن أنْ
تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ في أيْدِيهِمْ". رواه البخاري:
5354.
([16])
"أوصِيكَ أَن تَسْتَحِيَ مِنَ الله تَعالى كَمَا تستحي مِنَ الرَّجُلِ
الصَّالِحِ مِنْ قَوْمِكَ" الراوي: سعيد بن يزِيد بن الأزور. (الجامع
الصغير للسيوطي، ٤٣٠٦). والحديث من صحيح الجامع.
([19]) أخرجه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، وابن ماجه: 223، وأحمد:
21715. مطولًا، ونصه: "من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللهُ به طريقًا
من طرقِ الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العِلمِ، وإنَّ
العالِمَ ليستغفرُ له من في السماواتِ ومن في الأرضِ، والحيتانُ في جوفِ الماءِ،
وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ،
وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا،
ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ"
([21]) هذا الحديث لم يرو في كتب السنة بهذا اللفظ؛ لذا فقد ذكر أكثر
المحدثين أنه لا أصل له من جهة السند، وقد زاد من إنكارهم ظنُّهم أن الحديث سوّى
بين رتبة الأنبياء ورتبة العلماء، فأنكروه من جهة المتن أيضا؛ لذا فقد اتهم بعضُهم
الصوفيةَ بوضع هذا الحديث، وزعموا أن الصوفية إنما وضعوه ليرفعوا من شأن الأولياء
ويُنزلوهم منزلة الأنبياء. وهذا كلام مردود عليه من عدة أوجه: أولا: من
ناحية اللغة؛ فالكاف في كلمة: "كأنبياء" للتشبيه وليست للتسوية.
والتشبيه المجازي موجود في اللسان العربي. ثانيا: أكد المصنف- رضي الله عنه- في
أكثر من موضع على أن اعتقاد أهل الطريق راسخ في كون رتبة النبي أعلى وأكمل من رتبة
الولي؛ وليس أدل على ذلك من قوله الوارد في هذا الكتاب لمن يظنون هذا الظن
الفاسد:" وظنّ هؤلاء أن جريان الكرامة على الوليّ مساهمة لمقام النبوة، وحاشا
لله أن يشترك النبي والولي في مقام، كيف وقد قال أبو يزيد: جميع ما أخذ
الأولياء مما هو للأنبياء كزقٍّ مُلِئَ عسلًا فرشحت منه رشاحة، فما انطوى عليه
الزقّ فهو مثل علوم الأنبياء، وتلك الرشاحة هي حظُّ الأولياء منهم". ثالثا:
أن معنى الحديث لا يَبْعُدُ عما ورد في الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- "وإن العلماء ورثةُ الأنبياء" والذي سبق تخريجه منذ
قليل. فلعل التشابه يأتي من هذه الوراثة التي أثبتها لهم الحديث.
رابعا: فسر المصنف –
رضي الله عنه- هذا الحديث بقوله: "علماء أمتي كأنبياء
بني إسرائيل"، أي يأتون مقرِّرين ومؤكدين وآمرين بما جئت به لا أنهم يأتون
بشرع جديد. وهذا فهم شرعي صحيح لدور العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.
خامسا وأخيرا: إذا كان معنى
الحديث المجهول إسناده متسقا مع غيره من الأحاديث الصحيحة، وله وجه من الفهم لا
يناقض ثوابت الدين فلا يجوز أن يُقطع بإنكاره أو تكذيبه تحسُّبا من احتماليَّة
صدوره عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ويُكتفى ببيان موقفه من جهة الإسناد.

تعليقات
إرسال تعليق