التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مشاعر الكراهية الدينية الجماعية وارتباطها بفقدان الثقة



أ.د. سهير صفوت

أستاذ علم الاجتماع –كلية التربية – جامعة عين شمس

قال تعالى في سورة الكهف: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، أي لا معنى لإنسانية الإنسان بدون حريته التي بها يكون إنسانا مكلفا سويا مريدًا مختارًا. وهي الحرية المتضمنة بطبيعة الحال حق الحياة والعمل والتعليم والتملك والاعتقاد والتنقل والسفر والتفكير والحصول على المعلومات وغير ذلك.

وهذا يؤكد أنَّ الأديانَ لم تَكُنْ أبَدًا بَرِيدًا للحُرُوبِ أو باعثةً لمَشاعِرِ الكَراهِيةِ والعداءِ والتعصُّبِ، أو مُثِيرةً للعُنْفِ وإراقةِ الدِّماءِ، لكن هذه المَآسِي حَصِيلَةُ الانحِرافِ عن التعاليمِ الدِّينِيَّة، ونتيجةُ استِغلالِ الأديانِ في السِّياسَةِ.

وفي اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا أعمال العنف القائمة على أساس الدين أو المعتقد ما زلنا نشهد زيادة في خطاب الكراهية والتعصب، بل حتى العنف البدني والاعتداءات على الأفراد والجماعات والمواقع، وذلك لمجرد ارتباطها باعتقاد ديني، وهو عنف –كما سبق وأشرنا- يستهدف غالبا الأقليات العرقية والدينية، ونسميه نحن "الكراهية الدينية الجماعية"، وكثيرا ما يقترن بانتهاك حقوق أساسية أخرى.

وتشكل القناعات الدينية والقيم الروحية والمقدسات والاحتفالات الطائفية وغيرها من الأعراف والشعائر جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لكثير من الناس في مختلـف أنحاء العالم، وقد تكون أساس هوياتهم الفردية والجماعية. وتقتضي الدعوة إلى حرية الـدين أو المعتقد فهم مشاعر الولاء التي يكنها كثير من المؤمنين لدينهم أو معتقدهم، وفهمَ ارتباطهم العاطفي الوثيق به. غير أن مراعاة الديانات والمعتقدات بجميع أبعادها مراعاة جدية تتطلـب أيضاً مراعاة جدية للتعددية، بما في ذلك ما يميز النظرة إلى الحياة والممارسات من اختلافـات يتعذر التوفيق بينها أحياناً. فما هو مقدس لدى طائفة ما قد يكون مبهماً لدى طائفة أخرى، والقيم التي تسمو عند جماعة ما قد لا تستسيغها جماعات أخرى. وهذا سبب من الأسـباب التي تبرر عدم إيلاء الاحترام في إطار حقوق الإنسان لمضامين الدين أو المعتقد ذاتها في المقام الأول - أي ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية أو الأعراف أو الممارسات أو الهويات الدينية – بل للإنسان وحده باعتباره صاحب تلك القناعات والعامل بها، يُكنّ لها التقدير ويرعاها ويسعى للوفاء بما تمليه عليه من التزامات.

وتؤدي حرية الدين أو المعتقد وظيفة محورية ولبنة في بناء هيكل المؤسسات العامة وطنياً وإقليمياً ودولياً، بما فيها المحاكم، ، والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وهيئات الرصد الدولية. وفي الوقـت نفـسه، تنطوي حرية الدين أو المعتقد على آثار بعيدة المدى في التواصل، وهي بالمناسبة، تـرتبط، ارتباطاً عضوياً بحرية التعبير. وأخيراً، تكرس حرية الدين أو المعتقد الاحترام الواجب لجميـع البشر باعتبارهم أفراداً قد تكون لديهم قناعات راسخة تحدد هويتهم، وممارسات قائمة على هذه القناعات.

والاحترام مصطلح أساسي لفهم حقوق الإنسان عموماً والحق في حريـة الـدين أو المعتقد بوجه خاص. وفي إطار حقوق الإنسان، يرتبط الاحترام دائماً بالإنـسان. لكن مظاهر الكراهية الدينية الجماعية، وإن كانت تؤدي أحياناً إلى دينامية هدامـة يستحيل وقفها على ما يبدو، ليست ظاهرة طبيعية؛ بل هي ناتجة عن فعل الإنـسان أو امتناعه عن الفعل. وتقع، من ثم، على الدول والجهات المعنية الأخرى مسؤولية مشتركة عن مكافحة الكراهية الدينية الجماعية، مما يفترض فهم أسبابها الجذرية وجميع الظـروف السياسية التي تؤججها.

 تنتج مشاعر الكراهية الدينية الجماعية في كثير من الأحيان عن مشاعر خوف مقترن بالاحتقار، تنشأ عنهما حلقة مفرغة من الريبة والتعـصب والرهـاب الجمـاعي والإشاعات التي يغذيها الاحتقار والخوف من مؤامرات وهمية. وتعقُّد الظروف البشرية قد يجعل خوف المرء مرتبطاً بمصالح مختلفة كثيرة، مثـل وضعه الاجتماعي والاقتصادي، أو الآفاق التعليمية لأطفاله، أو ينميه مجتمعه المحلي في الأجل البعيد. وقد يخشى الناس أيضاً - أفراداً أو جماعات- على هوياهتم الدينية. فالتغيرات الـسريعة التي تشهدها المجتمعات، مثلاً، يمكن أن تُشعر المرء بأن المحيط الديني الذي اعتاده بات يتفسخ تدريجياً، فتنشأ لديه مخاوف من تراجع القيم الدينية.  وبلا شك يذكي الخوف مشاعر التعصب لدى الأفراد والجماعات.

ومن العوامل التي تزيد الوضع سوءاً وتذكي مظاهر الكراهية الدينية الجماعيـة استشراء الفساد الذي يفضي عادة إلى تقويض الثقة المعقولة في المؤسسات العامـة، فتتكون عقليات انطوائية ويتفشى التعصب الجماعي. وأي مناخ يعمه الاستبداد السياسي فيقمع الحوار العام الحر الصريح يشكل "عقلية تشكيكية" ويقوض الثقـة بـين الأفراد والجماعات.

أما تسخير الدين لأغراض سياسية قائمة على الهوية القومية فيؤدي عادة إلى تهميش سياسي للأقليات الدينية التي قد يتحول أصـحابها بـسهولة إلى أكباش فداء أو يتعرضون للأحكام المسبقة المتحيزة والتصورات الخاطئة.

وعادة ما تنطوي الدعاية المحرضة على الكراهية، بما فيها مظاهر الكراهيـة الدينيـة الجماعية، على مزيج من مشاعر الخوف والاحتقار. بل إن الخوف قد يـشتد ليتحـول إلى رهاب جماعي، والاحتقار يمكن أن يؤدي بدوره إلى أفعال تنطوي على إنكار علني لكينونـة الآخرين الإنسانية. وربما تكون نظريات المؤامرة المعادية للسامية أكثر النظريات التي دُرست دراسة مستفيضة وأحد أسوأ الأمثلة في هذا الصدد.

استراتجيات للتصدي لمظاهر الكراهية الدينية

إن السياسات الرامية إلى التصدي لمظاهر الكراهية الدينية لا بد من أن تستثمر في بناء الثقة على أساس احترام الجميع.

ولا بد من ضمان الاحترام للبشر كافة باعتبارهم أفـراداً لديهم قناعات راسخة تحدد هويتهم، ولا بديل عن تكريس حرية الدين/ المعتقد لتلعب دوراً محورياً في تلـك السياسات المناهضة للكراهية، سواء في مجال بناء الثقة عبر المؤسسات العامة وهذا يوجب على الدولة أن تضطلع بدور الضامن الأمين لحرية الدين/ المعتقد للجميع. ويوجب كذلك تفكيك الترتيبات الإقصائية في علاقة الدولة بالأديان/ العقائد، وتجاوز جميع أشكال توظيف الدين لأغراض السياسات المبنية على الهوية القومية.

أي أنه لا بد من إتاحة الإطار المنفتح الجامع الذي تزدهر فيه التعددية الدينية/ العقائدية ازدهاراً حراً دون تمييز.

ويقوم بناء الثقة على ثلاثة أبعاد على الأقل:

البعد الأول يهدف إلى التواصل بين الجماعات بهدف استبدال التجارب الحقيقية بالتصورات القائمة على القوالب النمطية والأوصاف السيئة المنسوبة إلى الآخرين، وعقد لقاءات منتظمة مع الأفراد المنـتمين إلى مختلف الطوائف الدينية/ العقائدية.

والبعد الثاني يهدف إلى إرساء علاقات الثقة ومد جسور التواصل التي يمكن الاسـتفادة منها في حالات الأزمات كجزء من عمليات التخطيط للطوارئ.

أما البعد الثالث فيهدف إلى تطوير ثقافة عامة قائمة على الخطاب المفتوح الذي بمقدوره إخضاع الإشـاعات والقوالـب النمطيـة والتصورات الخاطئة لاختبار النقد العام.

ويجب على الدول، في هذه الأبعاد كافـة، أن تضطلع بالدور الرائد المبادر الفعَّال لتعزيز حرية الفكر والضمير والدين/ المعتقد وضمان عدم انتهاك أي من الأفراد أو المؤسسات لها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...