بقلم/ عبد الرحمن هاشم
حين يُعرض الداعية تعاليم دينه على الآخر يعتمد على الأدب الجمّ والحجة
القوية ذات البرهان الواضح.
وجملة «هاتوا برهانكم» جاءت في مواضع كثيرة من القرآن، ومن ذلك ما جاء في
سورة البقرة عند الحديث عن غرور أهل الكتاب واعتزازهم الكاذب بمواريثهم، وقولهم
مرّة: (نحن أبناء الله وأحباؤه)، وقولهم مرة ثانية: (لن يدخل الجنة إلا من كان
هودًا أو نصارى)، فيرد عليهم القرآن: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).. أي: أين
الدليل؟
لكن أولى الناس بالله من يؤمن به إيمانًا واضحًا ومن يعمل له عملًا صالحًا ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ
أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
البقرة:112.
وفي موضع
آخر تتجه الكلمة للمشركين ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا
بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ۗ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ الأنبياء:24.
والمؤمن في
دعوته إلى الله وفي مجادلته للناس لا يعتمد على سلاطة اللسان وعلى تحدي الآخرين
بالشراسة والقول المنكر.. كلا، بل يعتمد على ما علمه الله ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ
رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ النحل:125.
والذي
يعتمد على العقل ويناقش بالحجة إنسان لديه ثروة طائلة من الحجج لذلك لا يخاف ولا
يبالي. أما الفقير في تفكيره والعاجز في أدلته له منطق آخر.. ﴿وَنَادَىٰ
فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ
الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ منطق الكفر والكافرين ﴿أَمْ
أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ والسؤال:
لماذا يكون موسى مهينًا ولماذا يوصف بأنه لا يكاد يبين؟
لقد أجابه
موسى إجابة واضحة حين سأله: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ ؟ ﴿قَالَ
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.
قال فما
بال القرون الأولى؟ ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ
رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾.
فلماذا
يكون موسى مهينًا ولا يكاد يبين؟ ماذا تطلب منه يا فرعون؟ قال فرعون: ﴿فَلَوْلَا
أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ
مُقْتَرِنِينَ﴾ لكن سوار الذهب في يد الرجل لا يغني عن منطقه وحجته شيئا!
إن منطق من لا عقل له يقول: أنَّى لطالوت أن يكون ملكًا علينا ولم يؤت سعة
من المال؟ وماذا يغني المال إذا لم يتوفر في القائد الرأي والسياسة الرشيدة؟
ولقد قال الذين كفروا للذين آمنوا: انظروا أيّ الفريقين خيرٌ مقامًا وأحسنُ
نديّا؟ لكن مناظر القرون من قبلهم كانت أجمل وأثاثهم كان أفخم ومع ذلك حلّ بهم
الهلاك. قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا
قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ مريم:74.
تعليقات
إرسال تعليق