بقلم: بسنت أحمد لبيب
يشهد العالم العربي اليوم طفرة رقمية هائلة تجعل وسائل التواصل الاجتماعي جزءا لا يتجزأ من حياة الأطفال والمراهقين. لم تعد هذه المنصات مجرد وسائل ترفيهية بل تحولت إلى محركات قوية لتشكيل وعي الشباب وقيمهم وسلوكهم الاجتماعي. ومع هذه القوة تأتي مسؤولية كبيرة ليس على الأفراد فقط بل على الدولة والمجتمع والمحتوى الرقمي نفسه.
التريندات ليست بريئة: صناعة الانفعال الجماهيري
من وقت لآخر يظهر ترندات تشد المشاهد ولا يهم الترند أكان هذا فيديو فيه نفع أم مجرد فرقعة ليس إلا وفي غالب الأحيان يكون ترند مبني على ألا شئ وغير مجدي النفع، لكنها تسيطر على الانتباه الجماهيري وتخلق واقعا افتراضيا أكثر تاثيرا من الواقع الحقيقي.
الأمثلة كثيرة: منذ ظهور مقاطع عن "تحديات خطرة" على TikTok وحتى فيديوهات شخصية تنتشر بسرعة البرق وتتحول إلى فضاء للنقد والهجوم الجماهيري تصبح المنصات مسرحا لإعادة تشكيل القيم والمعتقدات بشكل مباشر.
حماية الأطفال والمراهقين: ضرورة تشريعية وأخلاقية
استراليا كانت سباقة في هذا المجال بإصدار Online Safety Amendment Act 2024 الذي يفرض حدا أدنى لسن استخدام منصات التواصل (16 سنة) ويلزم الشركات الرقمية باتخاذ إجراءات صارمة لحماية الأطفال مع غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار استرالي على أي تقصير.
أما الصين فتتخذ نهجا أكثر حسما: حظر المنصات العالمية وتقييد ساعات استخدام الأطفال للمنصات المحلية مع مراقبة صارمة من الدولة.
في المقابل الوضع في العالم العربي لا يزال هشا: منصات مفتوحة تريندات تتصاعد بلا قواعد وأطفال ومراهقون يتعرضون لمحتوى ضار يؤثر على صحتهم النفسية وسلوكهم الاجتماعي.
خطر الانغماس الرقمي: بين اضطرابات النوم والضغط النفسي
الدراسات الحديثة تربط الاستخدام المفرط لمنصات التواصل بمجموعة من المشاكل:
اضطرابات النوم
تراجع الصحة النفسية وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب
ضعف العلاقات الاجتماعية الواقعية
التعرض لمحتوى غير مناسب للفئة العمرية
بينما يستهلك الأطفال هذا المحتوى يبقى المجتمع عاجزا عن وضع حد للانفلات الرقمي مما يزيد من هشاشة وعي الجيل الرقمي ويؤثر على قدرته على التمييز بين الصحيح والخطأ.
التعليم الرقمي والتربية الإعلامية: خط الدفاع الأول
التوعية والإرشاد الرقمي يجب أن يبدأ من المدارس ويستمر في الأسرة والمجتمع. يحتاج الأطفال إلى:
فهم آليات عمل المنصات الرقمية
التعرف على التمييز بين المحتوى الصحيح والمضلل
اكتساب مهارات التفكير النقدي لحماية وعيهم من التلاعب
التربية الإعلامية ليست رفاهية بل أداة حيوية لتمكين الجيل القادم من أن يصبح مستخدما واعيا قادرا على التعامل مع المعلومات بحذر ومسؤولية.
السوشيال ميديا كجسر للسلام أو أداة للفوضى
يمكن للإعلام الرقمي أن يكون جسرًا للتعايش والسلام إذا التزم بالقيم المهنية والموضوعية وسلط الضوء على المشتركات الإنسانية بدلًا من استغلال الانفعالات واستقطاب الجماهير.
لكن غياب التنظيم والرقابة يعرض الأطفال والمجتمع للفوضى الرقمية ويجعل التريندات السطحية تتفوق على القضايا الحقيقية مما يؤدي إلى تشكيل وعي هش وعاجز عن التمييز واتخاذ القرار الصائب.
الرهان اليوم ليس على كثرة المعلومات بل على جودة الوعي الرقمي الذي نزرعه في أجيالنا القادمة.
نحتاج إلى سياسات صارمة تعليم رقمي فعال وتربية إعلامية مستمرة لكي نصنع مجتمعًا واعيًا قادرًا على استخدام السوشيال ميديا كأداة للتعلم والنمو لا كأداة للتلاعب والتحكم بالوعي.

تعليقات
إرسال تعليق