التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عبرة من تجربة أليمة


 

بقلم/ د. نجلاء الورداني

تمر حياة الإنسان بمواقف لا تُحصى، بعضها يمتحن القلب قبل العقل، وبعضها يمتحن الصبر قبل القوة. هذه العبرة استشعرتها من قصة امرأة جسّدت هذا الامتحان بوضوح، إذ اكتشفت ذات يوم أن زوجها قد ارتكب سرقة بحقها دون علمها، وهنا انكشفت الحقيقة وتهاوى سقف الأمان الذي ظنت أنه سيصمد إلى مال لا نهاية. لم يكن ألمها ناشئًا عن المال المسروق فحسب، بل عن فقدان الثقة وانكسار العلاقة الزوجية.

الغضب الذي شعرت به المرأة كان طبيعيًا وإنسانيًا، شعور مشروع عند الظلم والخيانة. لكنها عندما توقفت أمام قول الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}. تيقنت أن الابتلاء ليس عقابًا، بل امتحانًا، ومن هنا فبعد أن غلبها ظلم العشير سرعان ما غيرت بوصلتها لتجاوز ألمها، لتفهم أن ما وقعت فيه من اختبار ما هو إلا محنة تحمل منحة للروح.

مع الزمن، بدأت المرأة ترى أن غضبها مع أنه أظهر مدى ضعفها أمام الظلم والخيانة، إلا أنه أوضح لها أن القوة الحقيقية ليست في الغضب والانتقام بل في ضبط النفس والحكمة في إدارة الانفعال. وهنا وقع عليها قول النبي ﷺ: "عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ... وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"، بردا وسلاما.

حين صار الزوج طليقًا، لم تستسلم للانكسار، بل حولت الألم إلى فرصة لمراجعة النفس وتعزيز الصبر والوعي. تعلمت أن الإنسان لا يملك التحكم في أفعال الآخرين، لكنه يملك التحكم في نفسه، وأن كل انكسار يمكن أن يتحول إلى درس، وكل خيانة إلى فرصة للنضج.

الصبر هنا لم يكن مجرد تحمل الألم، بل وعي داخلي وفهم أن الحياة رحلة فيها الألم والسعادة، وأن الإنسان يمكن أن يحوّل المحنة إلى نور داخلي، والخذلان إلى وعي، والخيانة إلى درس، والغضب إلى حكمة. يقول ابن القيم رحمه الله: "الصبر مصباح القلب، ونور الروح، وراحة النفس، وهو رأس كل الفضائل وأساس كل خير".

تعلمت المرأة حقيقة ما جاء في الحديث الشريف: "ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه". وأن كل تجربة مؤلمة مهما كانت قاسية فيمكن أن تكون سببًا لمحو الذنوب وتقوية الروح ورفع الدرجات عند الله طالما أحسن الإنسان الصبر والتحمل.

تعلمت المرأة أيضًا حقيقة ما جاء في الحديث الشريف: "الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه"، فتيقنت أن العفو عن الآخر لا يقلّل من قيمتها بل يزيدها قوة وسموًا، وأن التعامل مع الخيانة والخذلان بروح متزنة هو أعظم أشكال الحرية الداخلية، وأن الرقة مع النفس والآخرين أحد أهم طرق تجاوز الألم.

القصة كلها تحمل رسالة واحدة: أن الابتلاء جزء من رحلة الإنسان، وأن الصبر والحكمة والتأمل هي الوسيلة لتجاوز الأزمات والنهوض من جديد. الألم والخيانة والخذلان ليست نهاية الطريق، بل دعوة للتأمل، وإعادة ترتيب الأولويات، والاعتماد على الله، والتحلي بالنضج الروحي. 

يقول الحلاج رحمه الله: "من عرف نفسه، عرف ربه، ومن صبر على ألمه، عرف قلبه"، وهذا ما فعلته المرأة حين حولت ألمها إلى رحلة معرفة الذات وتثبيت الإيمان، وكل خطوة في حياتها بعد المحنة كانت دليلًا على أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة على الآخرين، بل في التحكم في الغضب ومراجعة النفس.  

وانتهت إلى أن الانكسار النفسي مهما كان شديدًا فإنه يمكن أن يكون سببًا للتجديد ومفتاحًا لبداية حياة جديدة مليئة بالنضج والوعي، والقدرة على التعامل مع الآخرين بحكمة ورحمة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...