بقلم: عبد الرحمن هاشم
وهي تحكي لي، استمعتُ إلى قصة صبرها وإخلاصها لزوجها الذي وقع اختياره عليها منذ 75 عاماً؛ حينما أخذ أبوها بيده، وفتح حجرة بمنزله كان بداخلها ثلاث فتيات (أخوات)، وقال له بمبادرة غريبة: "اختر أيهن أعجبتك زوجناكها!".
قال الرجل دون تردد: "هذه الطويلة البيضاء!". واتضح أن هذه الطويلة البيضاء هي أنا.. البكرية، كبرى البنات الثلاث.
كان زوجي من عائلة كريمة شهمة تنجد الملهوف، لكن المأخذ الوحيد عليهم كان أن لسانهم "فالت" طويل، يطال عند الغضب الآخرين بالسب، والمعايرة، وإبراز العيوب. وتحملتُ سبه، وضربه، وإهاناته، وتعجبتُ لكريمٍ شهمٍ كيف ينفلت لسانه؟!
لقد امتصَّ جسدي وعقلي، وكنتُ موضع استشارته في كل صغيرة وكبيرة، وكذلك كنتُ موضع ثقته المطلقة؛ لدرجة تحمُّلي الكامل لرعاية أولاده وتعليمهم وتزويجهم. ومن مظاهر خضوعي له أنني كنت ألبسه الجوارب والحذاء؛ لأنه كان ذا كرش لا يستطيع معها الانحناء!
وجعلتُ المطبخ شغلي الشاغل؛ أخرجتُ منه أحلى الأطعمة، ونَمَتْ من خلاله أجساد أبنائي، ونال ثناء جميع أفراد العائلة.. وفي واقع الأمر، كنتُ أُخرج من خلاله التوتر الكامن في أعماقي!
لَعْنَةُ المِيلَادِ والتَّعْوِيضُ الإِلَهِيّ
عند مقدمي لهذه الحياة، اعتبرت أمي هذا القدوم شؤماً ونحساً عليها؛ إذ تم القبض على أبي يوم ولادتي وإيداعه السجن كرهينة لحين تسليم أخيه الأكبر نفسه! رمتني أمي يومها كخرقة بالية وامتنعت عن إرضاعي، فتلقفتني خالتها التي لم تنجب. وعوضني الله بها عن أمي؛ فعشت معها عيشة الملوك، أدخلتني المدرسة، وأخرجتني في فسح وزيارات طافت بي أرجاء الوجه البحري من القطر المصري.
أما أمي، فقد غارت على أبي مني لاحقاً، وكانت تحبه حباً جماً، واتسمت بالبرود الشديد تجاه محطات حياتي الرئيسية، بل وقاطعت خالتها بسببي! ورغم أنني لم أقصر معها قط، ورعيتها في أواخر أيامها لمَّا مرِضت، وأملتُ أن أسمع منها كلمة واحدة: "سامحيني"، لكن ذلك لم يحدث حتى فارقت الحياة!
أما أبي، فمع أنه ظلمني بتزويجي بهذه الطريقة، فقد سامحته ووصلته حتى آخر يوم في حياته، وهو الذي ألح عليَّ كثيراً قبل وفاته أن أسامحه وأعفو عنه ففعلت.
بينما زوجي.. مع كرهي الشديد له وكرهي للسانه السليط، فلم أمتنع عنه لحظة من اللحظات، وقمت بإخلاص تام بكافة واجباتي تجاهه كزوجة.. لكن الغريب والأسى كله، أنه بعد كل لقاء بيننا، كان ثديي ينزف دماً!
تعليقات
إرسال تعليق