قصة: عبد الرحمن هاشم
استمعتُ إليها وهي تحكي قصة صبرها وإخلاصها لزوجها الذي وقع اختياره عليها منذ خمسة وسبعين عامًا.
قالت:
أخذ أبي بيده، ولم يذهب به إلى مجلس الرجال كما جرت العادة، بل مضى به إلى حجرة داخلية. دفع الباب الخشبي ببطء، فتسلل خيط من الضوء إلى الداخل.
كنا ثلاث فتيات نصطف جنبًا إلى جنب؛ أنا وأختاي. لا أذكر ماذا كنا نرتدي يومها، لكنني ما زلت أذكر ارتباكي وأنا أخفض عيني إلى الأرض.
وقف الرجل عند العتبة، وأخذ ينظر إلينا واحدةً بعد أخرى. مرت لحظات قصيرة، لكنها بدت لي طويلةً جدًا، بينما كان أبي يقف إلى جواره مبتسمًا ويقول:
«اختر أيهن أعجبتك زوجناكها».
رفع الرجل يده نحوي مباشرة، وقال من غير تردد:
«هذه... الطويلة البيضاء».
واتضح أن هذه الطويلة البيضاء هي أنا؛ البكرية، كبرى البنات الثلاث.
لا أعرف لماذا شعرت يومها بشيء من الخوف. ربما لأن إصبعه حين استقر عليَّ، بدا كأنه أغلق بابًا وفتح بابًا آخر لم أكن أعرف إلى أين يقود.
كان زوجي من عائلة كريمة شهمة تنجد الملهوف، لكن كان فيهم عيب واحد هو أن لسانهم «فالت» طويل، يطال عند الغضب الآخرين بالسب، والمعايرة، وإبراز العيوب. وتحملتُ سبه، وضربه، وإهاناته، وتعجبتُ لكريمٍ شهمٍ كيف ينفلت لسانه؟!
لقد استنزف جسدي وعقلي، وكنتُ موضع استشارته في كل صغيرة وكبيرة، وكذلك كنتُ موضع ثقته المطلقة؛ لدرجة تحمُّلي الكامل لرعاية أولاده وتعليمهم وتزويجهم. كنت ألبسه الجورب والحذاء؛ لأنه كان ذا بطن كبير لا يستطيع معه الانحناء!
أما المطبخ، فصار عالمي كله؛ أخرجتُ منه أحلى الأطعمة، ونَمَتْ من خلاله أجساد أبنائي، ونال ثناء جميع أفراد العائلة.. وفي واقع الأمر، كنتُ أُخرج من خلاله التوتر الكامن في أعماقي!
عند مقدمي لهذه الحياة، اعتبرت أمي هذا القدوم شؤماً ونحساً عليها؛ إذ تم القبض على أبي يوم ولادتي وإيداعه السجن كرهينة لحين تسليم أخيه الأكبر نفسه! رمتني أمي يومها كخرقة بالية وامتنعت عن إرضاعي، فتلقفتني خالتها التي لم تنجب. وعوضني الله بها عن أمي؛ فعشت معها عيشة الملوك، أدخلتني المدرسة، وأخرجتني في فسح وزيارات طافت بي أرجاء الوجه البحري من القطر المصري.
أما أمي، فقد غارت على أبي مني لاحقاً، وكانت تحبه حباً جماً، واتسمت بالبرود الشديد تجاه محطات حياتي الرئيسية، بل وقاطعت خالتها بسببي! ورغم أنني لم أقصر معها قط، ورعيتها في أواخر أيامها لمَّا مرِضت، وأملتُ أن أسمع منها كلمة واحدة: «سامحيني»، لكن ذلك لم يحدث حتى فارقت الحياة!
أما أبي، فمع أنه ظلمني بتزويجي بهذه الطريقة، فقد سامحته ووصلته حتى آخر يوم في حياته، وهو الذي ألح عليَّ كثيراً قبل وفاته أن أسامحه وأعفو عنه ففعلت.
بينما زوجي.. مع كرهي الشديد له وكرهي للسانه السليط، كان يجلس كل صباح على طرف السرير، يمد ساقيه في صمت، فأجثو أمامه تلقائيًا. ألبسه الجورب ببطء، ثم أتناول الحذاء فأدس قدمه فيه وأربط رباطه.
كم مرة فعلت ذلك؟ لا أدري.
آلاف المرات ربما.
وكان المشهد يتكرر حتى صار جزءًا من واجبات البيت؛ زوج ذو بطن كبير يجلس منتظرًا، وزوجة تنحني عند قدميه.
لكن أحدًا لم يكن يرى ما كنت أراه أنا؛ لم أكن أربط رباط الحذاء فقط، بل كنت أربط على قلبي كل صباح عقدة جديدة من الصبر والصمت.
ثم سكتت قليلًا.
وقالت بصوت خافت:
«ومع كل ما كان بيننا، لم أقصّر يومًا في حقه، ولم أمتنع عنه لحظة، وظللت زوجته كما أرادني أن أكون حتى آخر العمر».
ثم أطرقت برأسها قليلًا، وأضافت:
«لكن الغريب... أن ثديي كان ينزف دمًا بعد كل لقاء بيننا».
تعليقات
إرسال تعليق