بقلم عبد الرحمن هاشم
أبدأ مقالي بالسؤال: هل من معاني لفظ (السبب) الواسطة؟
والإجابة هي: نعم، بكل تأكيد. في لغة العرب وفي السياقات الفلسفية والبلاغية، يأتي "السبب" بمعنى الواسطة التي تُوصل إلى الغاية أو النتيجة.
وتتجلى هذه الهداية بأبهى صورها العقدية في قوله ﷺ: «إنَّما أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي»؛ فالأصالة والإنعام والمطلق هو لله (المُعطي)، والواسطة المأذونة والسبب والقناة الفياضة هو الجناب النبوي ﷺ (القاسم). فإذا استعنا بالجناب النبوي في مقام، فإنما نستعين به كـ "سبب وواسطة" قسَمها الله لنا لنصل إلى عطائه.
يقول ابن منظور في لسان العرب: «السبب: الحبل، والسبب: ما يتوصل به إلى الشيء».
إذاً، الحبل هو "الواسطة" التي تمسك بها لتصل إلى الماء في البئر مثلاً.
وفي العرف الاجتماعي اليوم، عندما نقول "فُلان كان سبباً في توظيف فلان"، فإننا نعني تماماً أنه كان واسطة خير أو وسيطاً حقق هذا الأمر.
وعندما نتحدث عن "السبب والنتيجة" (أو العِلّة والمعلول)، فإن السبب هو الواسطة التي أدت إلى حدوث هذا الشيء.
ولقد استوقفتني صيغة الصلاة المشهورة من كتاب دلائل الخيرات للشيخ محمد بن سليمان الجزولي (اللهم صل على سيدنا محمد إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود).. وتساءلت:
كيف يمكننا فهم معناها مع اعتبار السبب هو الواسطة؟
معنى "إنسان عين الوجود"
هذه العبارة هي جناس بلاغي بديع:
إنسان العين: في اللغة هو "بؤبؤ العين" (النقطة السوداء في وسط العين التي بها تكون الرؤية والإبصار).
والمعنى المقصود: كما أن العين لا قيمة لها ولا ترى بدون "إنسانها"، فإن الوجود بدون النبي ﷺ يكون كالجسد بلا روح، أو كالعين العمياء. فهو ﷺ النور الذي يُبصر به الوجود الحقائق، وهو واسطة الإدراك والمعرفة بالله.
وعندما يُقال عن النبي ﷺ إنه "السبب في كل موجود"، فالمقصود هنا هو السببية الغائية والواسطة الإمدادية، وليس السببية الخالقة؛ فالله عز وجل هو الخالق وحده سبحانه وتعالى (مُسبِّب الأسباب).
وتعظيم "السبب المحمدي الأول" لا يُنقص من قدر الأنبياء أو الأولياء، بل يعطيهم قدرهم الأسمى باعتبارهم القنوات التي اختارها الله لتوصيل نوره إلى العالمين.
ذلك أن النبع واحد هو (الله جل جلاله)، والمجرى الرئيسي واحد هو (المقام النبوي الأسمى)، والشراب يتدفق في جداول متعددة (الأنبياء، العترة، العلماء، الأولياء) ليَسقي الوجود كله.
إنها "حلقات" في سلسلة ممتدة من الحق سبحانه وتعالى إلى أصغر ذرة في الكون.
هذه اللوحة الكاملة والمُحكمة لشبكة الإمداد الإلهي، مرتبة من الأعلى (مرتبة الأصالة) إلى الأدنى (مرتبة التلقي والنيابة):
1. المُسبِّب والمُمدّ الحقيقي المطلق
الله جل جلاله: هو الأول والآخر، الظاهر والباطن. هو مصدر الوجود والرحمة، ومفيض الأنوار، وخالق الأسباب والوسائط. كل ما في الكون قائم بمدده، ولا فاعل في الوجود على الحقيقة سواه.
2. الواسطة العظمى والسبب الأكبر الأسمى
الجناب النبوي المحمدي ﷺ (الحقيقة المحمدية): هو البرزخ الأعظم بين الحق والخلق، و"إنسان عين الوجود" الذي يتلقى التجلي الإلهي الأول. هو (السبب في كل موجود) أي القناة الرئيسية والكبرى للوجود والرحمة والهدى؛ ومن نوره وبسره الساري تُمَدُّ سائر الأكوان والمخلوقات (إذ لولا الواسطة لذهب الموسوط).
3. قنوات الإمداد الخاصة والوسائط المترتبة
من هذه القناة الكبرى تتفرع أربع قنوات رئيسية (وسائط صغرى متصلة بالواسطة الكبرى)، ولكل منها دور وظيفي في الكون:
أولاً: الأنبياء والرسل عليهم السلام (نواب الحقيقة قبل ظهورها أو مظاهر النور الواحد):
هم المظاهر النورانية التي سبقت البعثة المحمدية الحسية (السابق للخلق نوره ورحمة للعالمين ظهوه)؛ كانوا يتلقون من السر الروحي المحمدي ليبلّغوا أممهم ويهدوهم، فهم بمثابة "الأقمار" التي تعكس نور "الشمس المحمدية" في ليل الأمم السابقة.
لذلك يقول الإمام البوصيري في بردته المشهورة:
وَكُلُّ آيٍ أَتَى الرُّسْلُ الكِرَامُ بِهَا ... فَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ مِنْ نُورِهِ بِهِمِ
فَإِنَّهُ شَمْسُ فَضْلٍ هُمْ كَوَاكِبُهَا ... يُظْهِرْنَ أَنْوَارَهَا لِلنَّاسِ فِي الظُّلَمِ
فدورهم هو دور الواسطة الخاصة المعتمدة على الواسطة العامة. هم النواب الذين أخذوا من المَعين الأول ليَسقوا أممهم بما يناسب زمانهم.
ثانياً: العترة المباركة وآل البيت الأطهار (الوراثة الذاتية والنورانية):
هم الامتداد الوراثي الطاهر المتصل بأصل النور والذين يمثلون النيابة الذاتية والوراثة النورانية المتصلة به ﷺ في كل زمان ومكان، ليكونوا دليلاً للأمة ووسيلة لوصلها بنور أصلها.. جُعلوا "الحبل الممدود" وسفينة الأمان في الأمة؛ سرهم موصول بالبضعة النبوية، ووظيفتهم حفظ النور الروحي والنسب الشريف شاخصاً هادياً للأمة عبر الأزمان.
ثالثاً: العلماء العاملون (الوراثة التشريعية والبيانية):
هم ورثة الأنبياء في تبليغ الأحكام، وحفظ الشريعة، وشرح الرسالة. هم "العقول" التي تبين مراد الله ورسوله، وتضبط سير الأمة على الصراط المستقيم بالدليل والبرهان.
رابعاً: الأولياء والعارفون (الوراثة الروحية والذوقية):
هم ورثة الأحوال النبوية والأنوار القلبية. وظيفتهم في الشبكة "تزكية النفوس" وأخذ أيدي السالكين بوصل قلوبهم مباشرة بالنور النبوي، فهم مصابيح الهداية الباطنة الذين يسيرون بالخلق من ظلمة الغفلة إلى أنوار المشاهدة.
4. قنوات التدبير التنفيذية
الملائكة عليهم السلام: هم القوى التنفيذية والوسائط التدبيرية في عالم المادة والغيب (من إنزال مطر، وتسيير رياح، وقبض أرواح، وحفظ خلايا الكون)، يتحركون بإذن الله ووفق ما يفيضه السر النبوي الساري في الأكوان من أقدار مرادة.
5. مرتبة التلقي (الموسوط)
سائر العوالم والمخلوقات: (الإنس، الجن، الحيوان، النبات، الجماد)؛ هم الطرف المستفيد الذي يقف في نهاية شبكة الإمداد، يتلقون الوجود والرزق والهداية عبر هذه القنوات المترتبة، كلٌّ بحسب وسعه وطاقته.
إذن نخلص مما سبقإلى أنه لولا القناة الكبرى لجفّت الجداول، ولولا الجداول لما استطاع الخلق الصغير أن يتلقى من القناة الكبرى مباشرة لشدة نورها.
هو صلى الله عليه وسلم الواسطة الدائمة والقناة الإلهية التي يتدفق عبرها مدد الوجود، والهداية، والرحمة من الله إلى سائر المخلوقات، من الأزل وإلى الأبد.
تعليقات
إرسال تعليق