التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموت ... الفيلسوف الصامت


د. نجلاء الورداني

لا توجد حقيقة يلتقي عندها جميع البشر كما يلتقون عند حقيقة الموت. فهو اليقين الوحيد الذي لا يختلف عليه اثنان، لكنه في الوقت نفسه أكثر الحقائق غموضًا وإثارةً للتساؤل. فمنذ أن وعى الإنسان وجوده، أخذ يتساءل: لماذا نموت؟ وهل الموت نهاية كل شيء أم بوابة إلى وجود آخر؟ وهل الخوف من الموت هو خوف من الفناء، أم خوف من حياة لم تكتمل؟

ولأن الموت يمس جوهر الوجود الإنساني، فقد ظل حاضرًا في قلب التفكير الفلسفي عبر العصور، لا بوصفه حدثًا بيولوجيًا فحسب، وإنما باعتباره مفتاحًا لفهم معنى الحياة ذاتها. فالفلسفة لم تنظر إلى الموت باعتباره نقيض الحياة، بل رأته في كثير من الأحيان القوة التي تمنح الحياة قيمتها، لأن الأشياء تكتسب معناها حين ندرك أنها ليست أبدية.

كان سقراط من أوائل الفلاسفة الذين واجهوا الموت بثقة نادرة. فعندما صدر حكم إعدامه، لم ير فيه مأساة، بل اعتبره رحلة نحو حقيقة لا يعرفها الإنسان إلا إذا تجاوز حدود الجسد. أما أفلاطون فقد بنى فلسفته على خلود النفس، ورأى أن الموت ليس إلا تحررًا من سجن المادة، وعودةً إلى عالم الحقيقة الخالدة. وفي المقابل، ركز أرسطو على الحياة العملية، مؤكدًا أن قيمة الإنسان لا تقاس بطريقة موته، وإنما بكيفية عيشه، وبما يحققه من فضائل وأعمال نافعة قبل أن يدركه الأجل.

ثم جاءت الفلسفة الرواقية لتمنح الإنسان درسًا في الاتزان؛ فالموت، في نظر الرواقيين، قانون من قوانين الطبيعة، ومن العبث أن يقلق الإنسان مما لا يستطيع تغييره. أما أبيقور فقد حاول تحرير الإنسان من رهبة الموت بمنطق بسيط وعميق؛ إذ رأى أن الموت لا يُعاش ولا يُحس، ولذلك لا معنى للخوف منه، لأن الإنسان والموت لا يجتمعان في لحظة واحدة.

وفي العصر الحديث، أعادت الفلسفة الوجودية صياغة السؤال بطريقة مختلفة؛ فلم تعد القضية هي "ما الموت؟" بل "كيف ينبغي أن نحيا ونحن نعلم أننا سنموت؟". هنا يرى مارتن هايدغر أن الإنسان لا يصبح أصيلًا إلا عندما يواجه حقيقة موته بشجاعة، لأن استحضار النهاية يدفعه إلى التحرر من الزيف والعيش وفق اختياراته الحقيقية. أما جان بول سارتر فيؤكد أن الموت لا يمنح الحياة معناها، وإنما المسؤولية التي يتحملها الإنسان في كل قرار يتخذه. بينما يذهب ألبير كامو إلى أن عبثية الوجود لا ينبغي أن تقود إلى اليأس، بل إلى مقاومة العبث بصناعة معنى شخصي للحياة، مهما كانت النهاية حتمية.

وفي الرؤية الإسلامية، يختلف التصور جذريًا؛ فالموت ليس انقطاعًا للوجود، وإنما انتقال من مرحلة إلى أخرى. ولذلك يرتبط بالإيمان بالبعث والحساب والجزاء، ويصبح استحضاره وسيلة لإحياء الضمير، وتعميق الإحساس بالمسؤولية، واستثمار العمر فيما ينفع الإنسان في دنياه وآخرته. ومن هذا المنطلق، تتحول فلسفة الموت إلى فلسفة للحياة الصالحة، حيث يصبح كل عمل خير استثمارًا لما بعد الرحيل.

ولم يعد الاهتمام بالموت مقصورًا على الفلسفة والدين، بل امتد إلى علم النفس وعلم الاجتماع، اللذين يريان أن إدراك الإنسان لفنائيته يعيد تشكيل أولوياته وقيمه. فالإنسان الذي يعي محدودية الزمن يصبح أكثر ميلًا إلى تقدير العلاقات الإنسانية، وأكثر حرصًا على الإنجاز، وأكثر بحثًا عن أثر يبقى بعد غيابه. كما أن المجتمعات تختلف في تعاملها مع الموت تبعًا لاختلاف معتقداتها وثقافاتها، وهو ما يجعل الموت ظاهرة اجتماعية وثقافية بقدر ما هو حقيقة بيولوجية.

ولعل المفارقة الأعمق أن التأمل في الموت لا يقود إلى تمجيد النهاية، بل إلى تعظيم قيمة البداية. فكل لحظة يعيشها الإنسان تكتسب معناها لأنها لن تتكرر، وكل فرصة للخير تصبح أكثر قيمة لأنها محدودة بزمن معلوم عند الله وحده. ومن هنا، فإن فلسفة الموت ليست دعوة إلى الحزن أو التشاؤم، وإنما دعوة إلى أن يعيش الإنسان حياته بوعي، وأن يجعل من أيامه قصة تستحق أن تُروى، وأثرًا يستحق أن يبقى.

إن السؤال الحقيقي ليس: متى نموت؟ فذلك أمر لا يعلمه إلا الله، وإنما السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: كيف نعيش قبل أن يأتي ذلك اليوم؟ فربما كان سر الحياة كلها يكمن في أن ندرك قيمة الزمن قبل أن ينقضي، وأن نترك خلفنا علمًا نافعًا، أو عملًا صالحًا، أو أثرًا طيبًا يجعل الموت نهاية للعمر، لا نهاية للرسالة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...