بقلم: أ.م.د. حنان عبد الباقي محمد خليل
أستاذ اللغات والترجمة المساعد – جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
رسالة إلى كل رجل يصف المطلقة بـ "الناشز"، ويدَّعي عجزها عن تربية أبنائها:
للأسف الشديد، أصبحت كلمة "ناشز" وصماً يُطلقه بعض الرجال الفاشلين على المرأة التي رفضت العيش تحت سيطرتهم، وتمردت على سلبهم لكرامتها ونقص رجولتهم. واليوم، تأتي الإجابة صاعقة ومُلهمة من قلب المعاناة والواقع!
المرأة — سواء كانت مطلقة أم أرملة — هي أم تُحركها مشاعر الأمومة التي حباها الله بها، تماماً كأي امرأة متزوجة. لقد ارتبطت بزوجها على كتاب الله وسنة رسوله، وعاشت معه وتحملت، وأنجبت أبناءها، لكنها لم تجد رجلاً يُعتمد عليه؛ بل وجدت شريكاً من أشباه الرجال، يعمل يوماً ويتعطل أياماً، ويرى أنه غير ملزم بالسعي والاجتهاد لكسب قوت يومه، ويقتنع بأنه "لا يتزوج بالمال بل بمجهوده الشخصي"! هذا إن لم يكن مصاباً باضطراب الشخصية النرجسية، أو السادية، أو الشك والبارانويا بتشخيص الأطباء النفسيين المتخصصين.
وفجأة، تجد الزوجة نفسها أمام طريقين لا ثالث لهما:
أن تخضع لسيطرته المزعومة: وتخرج هي لكسب عيشها وعيش أبنائها الذين لا راعي لهم غيرها، لتنفق على رجلٍ يأكل من عرقها وكدّها، ويمارس عليها أمراضه النفسية، بل ويقيم علاقات خارج إطار الزواج ويبحث عن ضحية جديدة تنفق عليه!
أو أن تركز على تربية أبنائها: وتنتشلهم من تلك البيئة المضطربة لتبحر بهم نحو بر الأمان، مُبعدةً إياهم عن هذا الأب غير المسؤول وغير السوي نفسياً، فتعدّ نفسها أرملة، وتطلب الطلاق لتنجو بنفسها وصغارها من هذا الجحيم.
وهنا يماطل الزوج ويفاوض، مستمتعاً باحتجاز ضحيته حتى يجد غيرها، ممارساً عليها الابتزاز والضرب والإهانة. فتضطر المسكينة المغلوبة على أمرها لطلب "الخلع" فتساومها الحياة ويساومها الأب على أبنائها ليعتصر قلبها، حتى يمن الله عليها بالخلاص.
إن التاريخ والواقع مليئان بنماذج مشرفة لأبناء ربتهم نساء بمفردهن؛ ومنهم أم الإمام مالك بن أَنَس (وكذلك أم الإمام الشافعي وغيرهما من أعلام الأمة) التي انقطعت لتربية ابنها وصنعت منه إماماً للمسلمين.
وكثير من الأمهات المسؤولات أكملن تعليمهن، وتحملن عبء التربية والإنفاق بمفردهن، فتخرج أبناؤهم وكانوا من الفائقين، ويشهد الجميع لهؤلاء النساء بالعفة والصلاح والنزاهة. وقد رفضت كثيرات منهن الزواج من شخصيات مرموقة إيثاراً لواجباتهن تجاه أبنائهن، ومنهن اليوم: أساتذة جامعات، ومعلمات، وطبيبات، ووزيرات لا يدخرن أي جهد في رعاية أسرهن.
ويكفينا دليلاً وشاهداً ما حققته الأولى على الثانوية الأزهرية، الطالبة "منة عماد"؛ هذه الفتاة الكريمة هي ابنة إحدى هؤلاء العظيمات اللاتي يرمينهن بـ "النشوز"! فتاة كالذرة النقية كشفت قصتها عن رحلة كفاح مريرة بعد أن تخلى الأب عن مسؤوليته، واستولت عائلته على أثاث الشقة بالكامل.
قصة كفاح "منة عماد": المذاكرة على "جردل"!
لم تكن لـ "منة" طاولة للمذاكرة، ولم تكن حياتها سهلة أو ميسرة. انفصل والدها عن والدتها منذ سنوات، ونسي مسؤوليته تماماً ولم يعد يعلم عنهما شيئاً. وعلى الرغم من حرمانها وحاجتها، حيث كانت تنام على مرتبة فوق الأرض وتذاكر على "جردل"، إلا أنها لم تسمح للظروف الصعبة أن تكسر حلمها. حولت الألم إلى دافع، والتعب إلى نجاح ساحق، حتى اعتلت قمة الثانوية الأزهرية.
لتؤكد "منة" للجميع أن النجاح لا يعتمد على رفاهية الإمكانيات، بل على الإصرار والاجتهاد، والإيمان بأن لكل مجتهد نصيباً.
شكراً للبطلة المطلقة: التي تحملت مرارة الحياة ومسؤولية ابنتها بشرف.
ومبارك للابنة المتفوقة: التي أثبتت قيمة تربية أمها.
وألف مبروك للطالبة منة عماد؛ شكراً للأم المحترمة المخلصة التي ربت وصنعت بطلة من رحم المعاناة، وشكراً للبنت البارة الجدعة التي رفعت رأس والدتها عالياً.

تعليقات
إرسال تعليق