بقلم عبد الرحمن هاشم
لا توجد اليوم سلالة بشرية صافية النسب لنبي الله يعقوب عليه السلام بعد آلاف السنين من الاختلاط والتهوّد والهجرات.
ذلك أن "بني إسرائيل" بمفهومهم القرآني والتاريخي الأصيل، هم القوم والأمة السلالية التي عاشت في الأحقاب القديمة مع الأنبياء (يوسف، موسى، داوود، سليمان، عيسى عليهم السلام)، وقد ذابت تلك السلالة وتشتتت واختلطت بأمم الأرض على مدى أكثر من ألفي عام.
ومن وجد بعد ذلك حتى اليوم وحتى نهاية الزمان يٌمكن نسبتهم لإسرائيل فنقول إسرائيليين بناءً على الامتداد الفكري والديني والهوية المعنوية، وليس بالضرورة على "النقاء البيولوجي الجيني".
والمتأمل في القرآن الكريم يجده يخاطب هؤلاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) أو (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ). والمعلوم أن من كان في المدينة لم يقتلوا أنبياء ولا قتلوا النفس في زمن موسى، ولكن لما كانوا امتداداً لهؤلاء وعلى مذهبهم وطريقتهم، خاطبهم القرآن كأنهم هم أنفسهم بنو إسرائيل.
وبعبارة أخرى فـ "بنو إسرائيل" يُطلق في القرآن والواقع على الأمة التي تحمل هذا الاسم وتدين بهذه الديانة وتنتسب لهذا التاريخ، بغض النظر عن الاختلاط الجيني الذي طرأ عليها.
وعليه، فمن يرث هذه الهوية، ويتبنى هذا التراث، ويتمسك بالصفات التي اتصف بها بنو إسرائيل الأوائل، سواء كان ينحدر جينياً من صلب يعقوب عليه السلام 100% أم كان ممن انضم إلى هذه المنظومة الدينية والقومية عبر القرون يمكن إسقاط آيات القرآن عليهم وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) الأعراف: 176.
فالآية الكريمة تُقرر سنتين إلهيتين مرتبتَين على بعضهما:
الأولى: بقاؤهم ووجودهم مستمر إلى قيام الساعة: فلن ينقرضوا تماماً من الأرض، بل سيبقى لهم وجود وتجمعات حتى آخر الزمان (كما وردت النصوص أيضاً في أحاديث آخر الزمان ومواجهتهم).
الثانية: عدم استقرار طغيانهم واستعلائهم: بل حتمية تسليط من يذيقهم الهوان والكسر كلما أفسدوا وطغوا، وهو ما شهد به التاريخ في دورات متوالية (منذ بابل، والرومان، والمسلمين، وأوروبا في القرون الوسطى والحديثة، وما سينزل بهم مستقبلاً بحسب الوعود الإلهية).
والآية حجةٌ قاطعة على استمرار وجود هذه الطائفة المنتسبة لبني إسرائيل واستمرار هذه السنة الإلهية فيهم إلى يوم القيامة، دون أن ينفي ذلك أن جيناتهم اليوم اختلطت بأمم الأرض.

تعليقات
إرسال تعليق