التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عندما تتحول الشهرة إلى مخاطرة.. الرقص فوق مواسير الغاز وإنذار بخطر التقليد


د. نجلاء الورداني

في زمن أصبحت فيه المشاهد المثيرة للجدل أسرع طريق إلى الانتشار، لم يعد البعض يتردد في تجاوز حدود العقل والمنطق بحثًا عن دقائق من الشهرة أو الإعجاب. ومن بين هذه المشاهد، أثار مقطع فيديو لشاب يرقص فوق مواسير الغاز الطبيعي في أحد الأفراح بمنطقة بشتيل موجة واسعة من الغضب والاستياء، ليس لأنه مجرد تصرف طائش، بل لأنه كان يمكن أن يتحول في لحظة إلى كارثة تهدد حياة عشرات الأبرياء. لقد كان مشهدًا صادمًا أعاد إلى الواجهة قضية غاية في الأهمية، وهي تراجع الوعي بالمخاطر والاستهانة بالمرافق العامة التي تمثل شريانًا أساسيًا في حياة المواطنين.

إن خطورة هذه الواقعة لا تكمن في الرقص فوق مواسير الغاز فحسب، وإنما في الرسالة الضمنية التي قد تصل إلى الآخرين، وكأن هذا السلوك أمر عادي أو وسيلة لتحقيق الشهرة. فمواسير الغاز ليست مكانًا للاستعراض أو الترفيه، وإنما جزء من بنية تحتية شديدة الحساسية، وأي عبث بها قد يؤدي إلى تسرب الغاز أو وقوع انفجار يهدد الأرواح والممتلكات، ويعرض مجتمعًا كاملًا للخطر.

كما تكشف الواقعة عن التحول الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في مفهوم الشهرة، حيث أصبح "التريند" لدى البعض هدفًا في حد ذاته، حتى وإن كان الثمن تعريض النفس والآخرين للخطر. فبدلًا من أن ترتبط الشهرة بالإنجاز أو الإبداع أو العمل النافع، أصبحت في بعض الأحيان ترتبط بالمغامرات غير المحسوبة والسلوكيات الصادمة التي تحقق نسب مشاهدة مرتفعة.

ولا تقف خطورة هذه الواقعة عند حدود الفعل نفسه، بل تمتد إلى ما يمكن أن تخلقه من ظاهرة التقليد، خاصة بين الأطفال والمراهقين والشباب. فكثيرون قد يحاولون محاكاة مثل هذه التصرفات اعتقادًا بأنها طريق سريع للانتشار وتحقيق الشهرة، دون إدراك للعواقب الوخيمة التي قد تترتب عليها. ويشير علم الاجتماع إلى هذه الظاهرة بمفهوم العدوى الاجتماعية، حيث تنتقل بعض السلوكيات بين الأفراد عن طريق التقليد والمحاكاة، خصوصًا عندما تحظى باهتمام إعلامي واسع أو انتشار كبير عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده، بل تمتد إلى الأسرة، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، وصناع المحتوى، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي ينبغي أن تسهم في نشر ثقافة المسؤولية، وألا تسمح بتحويل السلوكيات الخطرة إلى مادة للتسلية أو وسيلة لتحقيق الشهرة. فكلما زاد الاحتفاء بهذه التصرفات، ولو على سبيل السخرية، ازدادت احتمالات تكرارها من قبل آخرين يبحثون عن لفت الأنظار.

إن احترام المرافق العامة ليس مجرد التزام قانوني، بل هو قيمة اجتماعية تعكس وعي الفرد وانتماءه لوطنه. فهذه المرافق هي ملك لجميع المواطنين، والاعتداء عليها أو تعريضها للخطر هو اعتداء على حق المجتمع كله في الأمن والسلامة.

إن حادثة الرقص فوق مواسير الغاز ليست مجرد واقعة عابرة، بل هي جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة منظومة القيم التي تحكم سلوك بعض الشباب في عصر المنصات الرقمية. فالمجتمعات لا تُقاس بعدد المنشآت التي تمتلكها، وإنما بمدى وعي أفرادها في الحفاظ عليها. كما أن الشهرة الحقيقية لا تُبنى بالمغامرات المتهورة أو تعريض الأرواح للخطر، وإنما تُصنع بالعلم، العمل، الإبداع، والسلوك المسؤول الذي يحمي الإنسان والمجتمع، ويجعل من وسائل التواصل أداة للبناء لا للهدم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...