التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المرض النفسي بين العلاج والوصمة!


 

روان سيد

 لا يمكن وصم الاضطراب النفسي كفشل أخلاقي، نظرا لكونه حقيقة إنسانية لا تقل واقعية عن أمراض القلب أو السكري، ومع ذلك،  يتعامل البعض معه من منظور مختلف، يزيد من حدة الأثر النفسي على المريض. 

 فحين يمرض الجسد نسرع بالمساعدة، وحين يتعب العقل ننظر إليه بريبة أو نطالبه بـ«التماسك» فلماذا إذن نحوّل الألم النفسي إلى تهمة أخلاقية؟

الوصمة حقا بمثابة سجن اجتماعي، كونها قادرة على  تحويل المريض إلى شخص منبوذ اجتماعيا، يعاني ويلات القهر الاجتماعي، والتهميش، والاحتراق النفسي. 

 يفضل الأغلب الاتجاه نحو العلاج في السر خوفًا من الوصم، فيخسرون فرص العمل والكرامة وينسحبون نفسيا من الحياة الإنسانية والمهنية.

وتدفع الأسر الثمن أيضًا؛ فأكثر من 90% من مقدمي الرعاية يعانون عبئًا هائلًا بسبب نظرة المجتمع، وكثيرًا ما يؤخرون العلاج فيتفاقم المرض على الجميع.

خرافة الضعف الشخصي

نقبل أن السكري خلل في البنكرياس، لكننا نرفض أن يكون الاكتئاب اختلالًا في كيمياء الدماغ، ونتمسك بأنه «نقص إرادة». 

هذه الخرافة تغذي الصورة النمطية التي تربط المرض النفسي بالخطر أو العجز، بينما الغالبية الساحقة من المرضى بشر عاديون يحتاجون إلى دعم وعلاج لا إلى أحكام.

المريض قادر على العطاء

العلم يؤكد أن من يعانون اضطرابات نفسية يستطيعون أداء أدوارهم بكفاءة إذا حصلوا على العلاج. فلماذا نحتفل بمريض السرطان العائد إلى عمله، ونتردد أمام من تجاوز الاكتئاب؟ العلاج يعيد الحياة والكرامة، والاضطراب النفسي ليس نهاية الطريق.

الوصمة تعزز المرض وتزيد تداعياته، لكنها لا تشفي، بل تؤخر طلب المساعدة وتترك المرض ينمو في الظلام. الحل في القبول الحقيقي: أن نرى الإنسان قبل مرضه، ونمنحه حقه في العلاج والعمل والكرامة دون شروط.

ويبدأ كسر الوصمة من أفعال يومية بسيطة وواعية، كأن نتحدث عن الصحة النفسية بصراحة ودون خجل، كما نتحدث عن أي مرض آخر.

 ونتجه نحو  تصحيح المعلومات الخاطئة ونرفض النكات والصور النمطية التي تسخر من المرضى.

 لا بد من توجيه صور  الدعم منم يطلبون المساعدة، ونشجعهم بدلا من توجيه اللوم، والتهوين من معاناتهم الجسدية والنفسية. 

علينا أن  نطالب المؤسسات المجتمعية ووسائل الإعلام  بتقديم صورة واقعية وإنسانية للمرض النفسي،  وأن نبدأ بأنفسنا في تقبل ضعفنا ونطلب المساعدة حين نحتاجها، كي نكسر حاجز الصمت داخل محيطنا. 

إذا كنا نمد يدنا للقلب المريض بلا تردد، فكيف نبرر امتناعنا عن مدها للعقل المتعب؟ حقا المرض النفسي ليس عارًا، والعلاج ليس ضعفًا، بل هو حق إنساني وواجب مجتمعي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...