التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين تصبح الجنازة تريند.. سوسيولوجيا الموت في عصر السوشيال ميديا



بقلم: د. نجلاء الورداني

لم تعد الجنازة في زمن السوشيال ميديا مجرد لحظة وداع، ولا طقسًا اجتماعيًا يجتمع فيه الأهل والأصدقاء والجيران لمواساة أسرة فقدت أحد أفرادها. أصبحت الجنازة أحيانًا مشهدًا عامًا، تُلتقط له الصور، وتُسجل له مقاطع الفيديو، ثم تُنشر خلال دقائق لتبدأ رحلة جديدة من التداول والمشاهدة والتعليق.


وهنا يفرض الواقع تساؤل يتجاوز فكرة "لماذا يصور الناس الجنازات؟" إلى تساؤل أكثر عمقًا: ماذا حدث لعلاقتنا بالموت حتى أصبح الحزن نفسه قابلًا للتحول إلى محتوى؟

من المنظور السوسيولوجي، الجنازة ليست مجرد تجمع حول شخص متوفى، وإنما هي أحد الطقوس الاجتماعية التي تساعد الجماعة على التعامل مع الفقد وإعادة تنظيم العلاقات بعد غياب أحد أفرادها. إنها لحظة تتراجع فيها الفروق الاجتماعية أمام حقيقة الموت، ويصبح التعاطف والمواساة والمشاركة الوجدانية هي جوهر الحضور.

لكن دخول الجنازة إلى الفضاء الرقمي غيّر طبيعة المشهد. فالهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، وإنما أصبح أداة لتوثيق الحياة بكل تفاصيلها، بما فيها أكثر لحظاتها خصوصية وحساسية. ومع ثقافة "النشر الفوري"، أصبح بعض الأفراد يشعرون بأن الحدث الذي لا يتم تصويره ونشره يفقد جزءً من حضوره الاجتماعي.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته "اقتصاد الانتباه"؛ فالمحتوى الذي يثير المشاعر والدهشة والصدمة يحظى بقدرة أكبر على الانتشار. والجنازة بطبيعتها تحمل قدرًا مرتفعًا من الشحنة العاطفية، خاصة عندما تتعلق بشخصية معروفة أو بحدث استثنائي أو بمشهد إنساني مؤثر.

وهكذا يمكن أن يتحول الموت، دون قصد من أصحابه، إلى مادة للمشاهدة. من المشاركة في الحزن إلى مشاهدة الحزن

هناك فارق كبير بين أن نشارك أسرة المتوفى حزنها، وبين أن نشاهد حزنها.

في الحالة الأولى نحن جزء من طقس اجتماعي يقوم على المواساة والتضامن. أما في الحالة الثانية فنحن جمهور يقف خارج المشهد، يراقب، يعلق، يحلل، وربما يعيد النشر.

وهنا تتغير العلاقة بين الحزن والجمهور.

فمشهد شخص ينهار من البكاء، أو أم تودع ابنها، أو أحد أفراد الأسرة يفقد السيطرة على مشاعره، قد يتحول من لحظة إنسانية شديدة الخصوصية إلى مقطع قصير يراه آلاف الأشخاص، ثم يصبح مادة للتعليقات والمقارنات والأحكام. وقد يصل الأمر أحيانًا إلى تقييم طريقة الحزن نفسها: لماذا بكى هذا الشخص؟ لماذا لم يبكِ ذاك؟ لماذا ظهرت هذه المرأة بهذا الشكل؟ لماذا تحدث فلان؟ ولماذا صمت آخر؟

وهنا نكون قد انتقلنا من التعاطف مع الحزن إلى مراقبة الحزن والحكم عليه.


عندما يصبح الحزن أداءً اجتماعيًا:

لا يعني ذلك أن كل شخص يظهر حزنه أمام الكاميرا يتصنع مشاعره. هذه قراءة سطحية لا تتفق مع التعقيد الاجتماعي للظاهرة. لكن وجود الكاميرا والجمهور الرقمي قد يؤثر في الطريقة التي يتم بها التعبير عن المشاعر.

فالفرد في المجتمع لا يعيش دائمًا بمعزل عن نظرة الآخرين، والمشاعر نفسها لها قواعد اجتماعية تحكم كيفية التعبير عنها. ومع انتقال الجنازة إلى فضاء رقمي واسع، أصبح الحزن أحيانًا واقعًا تحت نظر جمهور لا نعرفه ولا نعرف كيف سيحكم علينا.


وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: الحزن الذي كان في الماضي يحتاج إلى جماعة صغيرة لكي يُشارك، أصبح اليوم قادرًا على الوصول إلى ملايين الأشخاص.

لكن هل كثرة المشاهدات تعني بالضرورة زيادة التضامن؟

ليس بالضرورة.

فقد يتحول التعاطف إلى "إعجاب"، والمواساة إلى "تعليق"، والذكرى إلى "مشاركة"، والمشهد الإنساني إلى رقم في عداد المشاهدات.


لماذا تختلف الجنازات في حجم الاهتمام؟

من الملاحظ أن بعض الجنازات تتحول بسرعة إلى حديث عام، بينما تمر جنازات أخرى في هدوء بعيدًا عن الضوء.

وهنا تكشف الظاهرة عن جانب آخر من البناء الاجتماعي: المكانة الاجتماعية.

فالشخصية العامة أو المشهورة تمتلك قدرًا من الحضور والاعتراف الاجتماعي يجعل موتها حدثًا عامًا، بينما يظل موت الشخص العادي في الغالب داخل نطاق الأسرة والجيران والمعارف.

وهذا لا يعني أن حياة إنسان أكثر قيمة من حياة إنسان آخر، وإنما يعني أن الاهتمام الاجتماعي بالموت لا يتوزع بالتساوي.

كلما كانت الشخصية أكثر شهرة، وكلما كان لها رأس مال رمزي أكبر، زادت احتمالات أن تتحول جنازتها إلى حدث إعلامي واجتماعي واسع.

ومن هنا تصبح الجنازة أيضًا مرآة تكشف كيف ينظر المجتمع إلى الشهرة والمكانة والرمزية الاجتماعية.

التكنولوجيا لم تغير شكل الجنازة فقط.. بل غيرت علاقتنا بالموت

الأمر الأعمق من مجرد تصوير الجنازات هو أن التكنولوجيا بدأت تعيد تشكيل علاقتنا بالموت نفسه.

في الماضي كانت الجنازة تنتهي بانتهاء مراسم الدفن وانصراف المشيعين، ثم تبقى الذكرى داخل الأسرة والمجتمع المحلي.

أما اليوم، فقد تستمر الجنازة رقميًا لأيام أو أسابيع أو سنوات.

صورة تعاد مشاركتها، مقطع فيديو ينتشر، منشور يحمل ذكرى، وتعليقات تتراكم تحت صورة شخص لم يعد موجودًا.

أصبح الموت إذن يمتلك حياة رقمية.

وهذه الحياة قد تمنح الأسرة شعورًا بأن الراحل ما زال حاضرًا في الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام انتهاك الخصوصية، إعادة نشر الصور دون إذن، واستغلال اللحظات الإنسانية الأكثر ضعفًا بحثًا عن المشاهدة.

أين تقف الأخلاق؟

لا يمكن النظر إلى الظاهرة باعتبارها مجرد مشكلة تقنية أو سلوكية، لأن جوهرها ثقافي واجتماعي.

السؤال ليس فقط: هل يسمح القانون بالتصوير؟

وإنما: هل كل ما نستطيع تصويره يجب أن نصوره؟ وهل كل ما نستطيع نشره يستحق أن ننشره؟

هناك فارق بين توثيق حدث عام، وبين اقتحام خصوصية أشخاص يعيشون لحظة ألم. وهناك فارق بين نقل خبر وفاة شخصية عامة، وبين تحويل دموع أسرتها وانهيارها إلى مادة للمشاهدة.

ومن ثم؛تظهر الحاجة إلى إعادة بناء مفهوم الخصوصية في العصر الرقمي؛ فالخصوصية لا تعني فقط إغلاق الأبواب، وإنما تعني أيضًا احترام اللحظات التي لا يملك الإنسان فيها القدرة على حماية نفسه من الكاميرا.

الجنازة التي كانت تجمعنا.. هل أصبحت تفرقنا؟

المفارقة أن وسائل التواصل الاجتماعي يفترض أنها تجمع   الأفراد  بعضهم البعض، لكنها في بعض الحالات قد تحول المشاركة الجماعية إلى مجرد مشاهدة جماعية.

قد يجتمع مئات الأشخاص حول جنازة، بينما يقف بعضهم بالهاتف بدلًا من الوقوف للمواساة.

وقد يصبح السؤال أحيانًا ليس: "كيف نساعد أهل المتوفى؟" وإنما: هل صورت المشهد؟ وهل نشرته؟

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على احترام لحظات الضعف الإنساني، قد يخسر شيئًا يتجاوز خصوصية الجنازة نفسها؛ قد يخسر جزءً من حساسيته الأخلاقية تجاه الآخر.

في النهاية.. ماذا تقول لنا تريندات الجنازات؟

تريند الجنازات ليس مجرد ظاهرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما هو مؤشر على تحولات أعمق في الثقافة الاجتماعية.

إنه يكشف انتقالنا من مجتمع المشاركة إلى مجتمع المشاهدة، ومن الحدث الخاص إلى الحدث القابل للتداول، ومن الذاكرة الجماعية إلى الذاكرة الرقمية.

ولا تكمن المشكلة في أن نستخدم التكنولوجيا لتوثيق الذكريات، وإنما في أن تتحول التكنولوجيا إلى وسيط يفصلنا عن المعنى الإنساني للحدث.

فالجنازة في جوهرها ليست "محتوى".

إنها لحظة وداع.

والمتوفي ليس "تريندًا".

إنه إنسان كان له اسم، حياة، ذكريات، وأشخاص يحبونه.

وربما نحتاج، قبل أن نرفع الهاتف لتصوير جنازة، أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا لكنه بالغ الأهمية:

لو كنت مكان أهل المتوفى.. هل كنت سأريد أن تتحول لحظة حزني إلى مشهد يراه الجميع؟

ففي عصر أصبحت فيه كل لحظة قابلة للتصوير والنشر.

ربما يصبح احترام ما لا ينبغي تصويره هو أحد أشكال التحضر الاجتماعي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...