التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين تُهدم البيوت على مذبح التريند.. أين رحلنا عن ستر رب العالمين؟



#مي_جوهر_تكتب


تخيل للحظة أن جدران بيتك قد ذابت لتتحول إلى زجاج شفاف يرى فيه كل عابر سبيل عيوبك، ويلمس جراحك، ويحكم على أقدارك، ويشمت في سقطاتك. 


هل سيشعرك هذا بالأمان؟ أم ستشعر بأنك في قفص بلا حياء؟ 

هذا ليس كابوساً من أفلام الخيال، بل هو واقعنا المرير اليوم. لقد تحولت البيوت، التي جعلها الله سكناً ومودة ورحمة، إلى ساحات مكشوفة، وباتت أسرار الأزواج، وخلافات الأهل، وعورات البيوت، تُبث على الملأ عبر شاشات الهواتف، ليس بحثاً عن حل، ولا طلباً للعدل، بل من أجل تفاعل، وتريند، ولحظات زائلة من الشهرة الرخيصة!


في زمنٍ كان فيه الستر تاجاً على رؤوس الأحرار، أصبح كشف المستور شجاعة مزيفة، ونشر خلافات البيوت حقاً مشروعاً، وتحويل أروقة المنازل إلى محاكم مفتوحة فنّاً رقمياً. لكن، هل سألنا أنفسنا يوماً: ما الثمن الذي ندفعه مقابل هذا التريند؟


أن تبيع سرّك، وعيبك، وجراح من تحب، وتُعرّض أبنائك ووالديك لفضول الغرباء، من أجل أن يتصدر اسمك قائمة "التريند" لساعات، ليس مجرد خطأ فادح، بل هو طعنة في صميم الإنسانية. 


الإنسانية التي تعلمنا أن نواري عورات موتانا، هي نفسها التي تأبى أن تُعرّي أحياءنا. كيف نرضى أن تكون مشاكلنا "محتوى" يُستهلك، وتصبح دمعتنا "إعجاباً" يُرصد، وتتحول كرامتنا إلى "خوارزمية" تُسوّق؟


إن هتك أستار البيوت لا يدمر صاحب المشكلة فحسب، بل يمتد الي أسرته وينخر في جسد المجتمع كله


اعلموا أن البيت هو الملاذ الأخير للإنسان من قسوة العالم. حين يُهدم هذا السور، تفقد الأسرة هيبتها، وتنكسر شوكتها، وقد لا يمكن لم الشمل مرة أخرى بعد أن تطأ أقدام الغرباء حرمة الأسرار.


تجرؤ المجتمع وتبلد المشاعر: حين نرى المشاكل تُنشر كـ "مسلسلات درامية"، نفقد تعاطفنا، ونصبح مجتمعاً لا يرى في ألم الآخرين إلا "تسلية"، وفي عوراتهم إلا "أخباراً عابرة".


ضياع البراءة: الأبناء هم الضحايا الصامتون. كيف لطفل أن ينمو في بيت تُنتهك حرمة والديه على مرأى من العالم؟ وكيف له أن يحترم مؤسسة الأسرة وهي تُشهر على الملأ؟


 وصية رب العالمين.. ونداء الرحمة

لقد جعل الله "الستر" من أسمائه وصفاته، فهو "الستير" الذي يحب الستر. وقد حذرنا رب العالمين من شرف نشر العورات وإشاعة الفاحشة. 

 فقال سبحانه في محكم التنزيل: 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور: 19].

فكيف بمن يشيع عورة نفسه، أو عورة من يعول، أو عورة أي إنسان طوعاً واختياراً، بحثاً عن رضا المخلوقين؟


ولعل أبلغ درس في الإنسانية والرحمة نراه في هدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي علمنا أن الستر هو صفقة رابحة مع الله لا تخيب أبداً. 


يقول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام:

"مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [رواه مسلم].

وتخيل يوم يرعاك الله، أن تُستر بستر الله يوم القيامة، يوم تُكشف فيه السرائر، وتُفضح فيه الضمائر، يوم لا ينفع فيه "تريند" ولا "لايكات"، بل ينفع فيه فقط قلب سليم، وسترٌ صنتَه في الدنيا.


 دعونا نعيد للبيوت حرمتها

أيها الأصدقاء.. الشاشات ستُطفأ، و"التريند" سيموت، وستزول الشهرة الزائفة، لكن ما سيبقى هو ميزان الأعمال، وحرمة البيوت، وستر رب العالمين.


لنعد إلى أنفسنا، ولنستحِ من الله أن نرفع ستوره التي سدلها على عيوبنا، لنفضحها أمام خلقه. 


لنجعل من بيوتنا حصوناً منيعة، ولنكن نحن الأدرع الواقية لأسرارنا وأسرار غيرنا. فبالستر تُصان الكرامات، وبالرحمة تُبنى المجتمعات، وبالحياء تُحفظ الأوطان.


تذكروا دائماً.... ما عُيب من ستر نفسه، ولا شُرف من صان عرضه.

فأغلقوا نوافذ البيوت الزجاجية، وستروا على أنفسكم، وعلى غيركم، فلعل الله أن يسترنا جميعاً بستره يوم لا ظل إلا ظله.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...