بقلم د. نجلاء الورداني
في مجتمعاتنا العربية، قد يكون الزواج قرارًا شخصيًا بين اثنين، لكنه سرعان ما يتحول إلى شأن عام بمجرد إعلان الخبر.
تبدأ التهنئة بكلمة "مبروك"، ثم لا تلبث أن تتحول إلى سلسلة من التساؤلات التي لا يبدو أن لها نهاية.
تزوجت؟ مبروك… وأين سيكون السكن؟
تساؤل بريء في ظاهره، لكنه يفتح الباب لتساؤلات أخرى:
كم كان المهر؟
أين أقيم حفل الزفاف؟
هل كان الزواج عن حب أم عن طريق الأسرة؟
ثم يأتي التساؤل الذي ينتظره الجميع، وكأن هناك ساعة زمنية معلقة على الحائط:
متى سنفرح بالمولود الأول؟
هنا تبدأ المرحلة الثانية من التحقيق.
فالمجتمع لا يكتفي بأن يعرف أنك تزوجت، بل يريد أيضًا أن يعرف متى ستنجب، كم ستنجب، كيف ستربي أبناءك، وربما لماذا اخترت اسمًا معينًا لطفلك!
الغريب أن التساؤل الذي يبدو عاديًا بالنسبة إليك قد يكون شديد الخصوصية بالنسبة إلى من توجَّه إليه السؤال.
فهناك فرق كبير بين أن تسأل بدافع المحبة وعلى استحياء وبتحفظ ، وبين أن تعتبر حياة الآخرين مساحة مفتوحة يحق لك الاطلاع عليها والتعليق على بعض تفاصيلها.
وما إن يأتي الطفل حتى يحصل الوالدان على "عضوية دائمة" في لجنة الاستشارات الاجتماعية؛ لماذا لا ينام الطفل؟ لماذا يرضع بهذه الطريقة؟ لماذا لم تبدأوا الطعام بعد؟لماذا اخترتم هذه المدرسة؟. ثم تأتي الجملة الشهيرة التي تختصر كل شيء: نحن ربّينا أولادنا ولم يحدث لهم شيء!
وكأن نجاح تجربة أسرية في زمن مختلف يمنح صاحبها رخصة لإسقاط تجربته على أسر الآخرين!
المشكلة إذن تكمن في الثقافة التي تجعل التدخل يبدو أحيانًا في نظر المتطفلين صورة من صور الاهتمام، مع أن الاهتمام الحقيقي لا يحتاج إلى اقتحام.
يمكن أن تقول لصديقك: أنا إلى جوارك إذا احتجت شيئًا، دون أن تطلب منه كشف تفاصيل حياته.
يمكن أن تفرح بزواج شاب أو فتاة، دون أن تتحول تهنئتك إلى التدخل فيما لا يعنيك.
يمكن أن تحب أبناء أقاربك، دون أن تصبح مديرًا تنفيذيًا لشؤون تربيتهم او معيشتهم!
إننا نحتاج إلى أن نتعلم مهارة اجتماعية شديدة الأهمية: أن نعرف الفرق بين التفقد وبين التدخل في الخصوصيات.
والخصوصية لا تعني أن الإنسان يخفي سرًا، وإنما تعني أن بعض تفاصيل حياته ليست موضوعًا عامًا للنشر والإذاعة.
لذلك، إذا التقيت عروسًا أو عريسًا جديدًا، قل لهما "مبروك" من قلبك، وتمنَّ لهما السعادة، ثم اترك لهما مساحة ليكتشفا حياتهما الجديدة بأنفسهما. أما سؤال: متى سنفرح بولي العهد؟ فالأفضل أن يبقى حصريا على الأب والأم وأقارب الدرجة الأولى
تعليقات
إرسال تعليق