أ. د. محمود سالم الشيخ
وددت أن أشير أولا إلى أن العلماء، مهما علت مكانتهم، ليسوا فوق النقد؛ وإنما الذي يليق بمكانتهم أن يكون نقدهم بمثل ما كان علمهم: قائمًا على الدليل، مستندًا إلى التحقيق، ومنزّهًا عن السخرية والتجريح.
وعليه، فلا أدري ما إذا كان العالِم العلّامة بشار عواد معروف يمتلك من المعلومات ما يكفي لإثبات «جهل» ابن خلدون، ويبرر له إطلاق مثل هذا الحكم، ولا أدري كذلك ما الذي تعنيه صفة «الجاهل» التي أراد أن يلصقها بالمفكر التونسي، صاحب «المقدمة» التي أهدتنا علم العمران (الاجتماع)، ومؤلف «كتاب العبر» الذي وصفه مؤرخ قدير مثل أرنولد توينبي Arnold Toynbee بأنه «أعظم مؤلَّف أبدعه العقل البشري على مر الزمان والمكان».
استمعت إلى هذا الحكم مصحوبًا ، للأسف الشديد، بضحكات ساخرة إذ ظننت أن مثل هذا الحكم لا بد أن يكون ثمرة بحث وتمحيص ومناقشات علمية، ربما جرت وفق تقاليد آل معروف، وتحت رئاسة كبيرهم ناجي، الذي كان له فضل في رسم المسيرة الأكاديمية لابن أخيه بشار، وهي الأسرة التي عُرف عنها تمحيصها لما يتصل بالتراث التاريخي. لذلك ظللت أستمع وأنا في غاية الخجل والذهول.
ومن يقرأ سيرة العالم بشار معروف، أو عرفه عن قرب، يندهش حين يسمع من قامة علمية كهذه حكمًا لا أقول إنه قاسٍ، بل أراه ساذجًا، إذ صدر من غير أن يسوق له صاحبه دليلًا واحدًا، أو حتى أبسط حجة تسند هذا الحكم. وكان ذلك أول ما أثار في نفسي الخجل والذهول.
والنقد ليس مباحًا فحسب، بل هو ضرورة من ضرورات العلم؛ فلولا النقد ما تقدمت العلوم، ولا استقامت مناهج البحث. غير أن النقد لا بد أن يقوم على الحجة والتوثيق، كما يقول ابن خلدون نفسه. والعجيب أن العالم بشار قام بطباعة الجزء الرابع من «كتاب العبر»، بناءً على تكليف من صديقه إبراهيم شبوح، بمناسبة الذكرى المئوية السابعة لوفاة المؤرخ التونسي. ومن المفترض أن يكون قد تعرّف إلى ابن خلدون عن قرب خلال دراسته للنص وتحقيقه. اللهم إلا إذا كان حكمه هذا قد جاء نتيجة دراسته للجزء الرابع من «كتاب العبر»!
لذلك نطلب من المؤرخ والعالم بشار أن يزودنا، ويزود المجتمع العلمي والثقافي، بالأدلة الكافية التي تثبت «جهل» ابن خلدون، حتى نعيد النظر فيما كتبه العلماء والنقاد عن هذا المفكر والمؤرخ، وفي مقدمتهم أرنولد توينبي. ونرجوه، متوسلين، ألا يبخل علينا بما يدّخره من معلومات وحجج في هذا الموضوع.
وقد أذهلني العالم بشار معروف كذلك حين اتهم ابن خلدون بجهله بتاريخ الشرق العربي وجغرافيته؛ لأنه، على حد قوله، اعتبر «العراق من بلاد العجم». والحقيقة أن ابن خلدون يتحدث في «المقدمة» صراحة عن «عراق العرب» و«عراق العجم»، ويجمعهما بلفظ «العراقين»، كما يتضح من نص مخطوط عاطف أفندي 1936، المحفوظ في المكتبة السليمانية بإسطنبول:
5و. وكانت ممالكهم بالعراقين وخراسان وما وراء النهر والأبواب.
43و. وهؤلاء أهل المغرب والشام والعراقين والسند والصين.
88و. وانتقلت حضارة بني العباس إلى الديلم […] والتتار بالعراقين.
90ظ. الغلب على الأمم في العراقين والهند والمغرب.
140ظ. وآل ذلك إلى استيلاء الديلم على فارس والعراقين وعلى بغداد والخلفاء.
144ظ. ثم لما انقضى أمر العلوية وسما الديلم إلى ملك فارس والعراقين.
167و. كما تراه في فاس وبجاية من المغرب، وبعراق العجم من المشرق.
173ظ. في بلاد الأندلس والشام ومصر وعراق العجم وأمثالها.
1771ظ. واعتبر ذلك بأقطار المشرق مثل مصر، والشام، وعراق العجم.
1772ظ. من عراق العجم والهند والصين.
213و. عراق العجم بخراسان.
216و. كتاب الكشاف للزمخشري من أهل خوارزم العراق.
217و. شرف الدين الطيبي، من أهل توريز من عراق العجم.
242ظ. بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة، وخصوصًا في عراق العجم.
76و. وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع.
36ظ. وفي الشرق عنها بلاد العراق.
91و. وتقلب في بلاد العراق واليمن والهند.
114و. ونقلهم إلى أصبهان وبلاد العراق.
ومن المعروف أن المؤرخ التونسي خصص كتابه لتاريخ المغرب، وحدد غايته وحدوده في عنوان لا يدع مجالًا للشك: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأعظم». وقد حرص، في مواضع كثيرة، على ألا يتجاوز الحدود التي رسمها لكتابه، وكثيرًا ما كان يتوقف عند عبارته المشهورة: «وقد كدنا أن نخرج عن الغرض»، حرصًا منه على ألا يستطرد فيما يخرج به عن مقصده.
ومن ثم، فإن ابن خلدون لم يذكر «عراق العرب» و«عراق العجم» و«العراقين» اعتباطًا، ولا أظن أنه ذكرها عن جهل. وكنا ننتظر من المؤرخ العراقي بشار معروف، فارس تاريخ المنطقة، أن يفسر لنا دلالة «العراقين» في سردية ابن خلدون، وأن يبيّن لنا وجه الصواب في اتهامه بالجهل، لا أن يكتفي بإطلاق الحكم عليه. فنحن في حاجة إلى المعرفة والتفسير، بعيدًا عن الإساءة والسخرية.
لقد توقفت طويلًا أمام هذه المسألة، وسألت عددًا من الأصدقاء والزملاء العراقيين عمّا إذا كان لديهم تفسير لها، ويشهد بذلك كثير من الأحبة، ومنهم الدكتور بهاء نجم، تلميذي القدير وأستاذ اللغة والأدب الإيطالي بجامعة بغداد.
إننا في حاجة إلى احترام علمائنا، وذلك بدراسة ما تركوه من تراث وتفسيره، لا بمجرد الوقوف عند الجوانب الإيجابية من أعمالهم. وليس في ذلك ما يمنعنا من نقد أخطائهم، بل لا ينبغي لنا أن نتورع عن إبرازها بكل وضوح، متى قام النقد على الدليل والحجة، والتزم المنهج العلمي، بعيدًا عن اللقطات التلفزيونية، والأحكام السطحية أو المغرضة.

تعليقات
إرسال تعليق