التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الردح كآلية للعنف الرمزي في الثقافة الشعبية: قراءة سوسيولوجية في أنماط الصراع داخل المجتمع الشعبي


بقلم د. نجلاء الورداني

يُعدّ الردح من الظواهر التعبيرية المرتبطة بالثقافة الشعبية، والتي لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تبادل للألفاظ الحادة أو المشاحنات اليومية، بل بوصفها ممارسة اجتماعية تعكس طبيعة العلاقات والصراعات داخل المجال الشعبي. فالردح، من منظور سوسيولوجي، يمثل شكلًا من أشكال العنف الرمزي الذي يُستخدم لإثبات الهيمنة أو الدفاع عن المكانة الاجتماعية داخل الجماعة، من خلال توظيف اللغة الشعبية والإشارات الثقافية والضغط الاجتماعي أمام الجمهور المحيط.

ويرتبط الردح بالبنية الاجتماعية للبيئات الشعبية التي تقوم على كثافة التفاعل المباشر بين الأفراد، حيث تتداخل الحدود بين المجالين الخاص والعام، وتتحول النزاعات الفردية إلى مشاهد اجتماعية علنية تخضع لتقييم الجماعة. ومن هنا يكتسب الردح طابعًا استعراضيًا؛ إذ لا يكون الهدف منه مجرد الإساءة للطرف الآخر، بل تحقيق نوع من التفوق الرمزي وكسب الاعتراف الاجتماعي داخل البيئة المحلية.

وفي هذا الإطار، يُفهم العنف الرمزي بوصفه قدرة الفرد على فرض الهيمنة أو التأثير النفسي والاجتماعي دون استخدام القوة المادية المباشرة، من خلال استدعاء مفردات السخرية والتقليل من المكانة الاجتماعية والتشهير العلني. ولذلك يصبح الردح وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوة داخل المجتمع الشعبي، خاصة في البيئات التي تضع قيمة كبيرة لفكرة “السمعة” و“الهيبة الاجتماعية”.

كما يكشف الردح عن آليات الضبط الاجتماعي غير الرسمي داخل الثقافة الشعبية؛ فالجماعة لا تكتفي بمراقبة السلوك، بل تشارك بصورة ضمنية في إنتاج الصراع وإعادة تعريف المكانة الاجتماعية للأفراد من خلال التفاعل مع مشهد الردح ذاته، سواء بالتأييد أو السخرية أو نقل الروايات داخل المجال الشعبي.

ومن الناحية الفولكلورية، يعكس الردح ثراء التراث الشفهي الشعبي، بما يحمله من استعارات وأمثال وتعبيرات مجازية وإيقاعات لغوية متوارثة، الأمر الذي يمنحه طابعًا ثقافيًا يتجاوز حدود المشاجرة العابرة. فهو يمثل جزءًا من الذاكرة الشعبية التي تكشف طبيعة العلاقات الاجتماعية وأنماط التعبير داخل المجتمع المصري.

ومع التحولات الاجتماعية الحديثة، لم يعد الردح مقتصرًا على المجال الشعبي التقليدي، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت أنماط جديدة من العنف الرمزي تقوم على التشهير الإلكتروني والسخرية الجماعية وإعادة إنتاج الصراعات بصورة علنية أمام جمهور افتراضي واسع.

وفي ضوء ذلك، فإن دراسة الردح بوصفه شكلًا من أشكال العنف الرمزي تتيح فهمًا أعمق لطبيعة التفاعلات الاجتماعية داخل المجتمع الشعبي، كما تكشف عن العلاقة بين الثقافة الشعبية وآليات الهيمنة والصراع وإعادة إنتاج المكانة الاجتماعية داخل البنية الاجتماعية المعاصرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مئوية كلية العلوم جامعة القاهرة: المرأة والقيادة الأكاديمية

بقلم/ د. وليد الإمام مبارك                             تعيين أ.د. سهير رمضان فهمي أول عميدة لكلية العلوم جامعة القاهرة حدثٌ تاريخي يُدوَّن بحروف من نور. وتحتفل هذا العام كلية العلوم – جامعة القاهرة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهي مئة عام من العطاء العلمي المتواصل، والريادة الأكاديمية، وتخريج أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الوطن ورفع رايته في المحافل الدولية. وفي خضم هذه المناسبة التاريخية، جاء القرار المهم بتعيين الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي عميدةً للكلية، في سابقة تُسجَّل لأول مرة منذ تأسيس الكلية العريقة؛ لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع، في لحظةٍ تحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة. كلية العلوم، منذ نشأتها عام 1925، كانت منبرًا للبحث والاكتشاف، واحتضنت عبر تاريخها أسماء بارزة في تاريخ العلم بمصر والعالم العربي، وقد حافظت على مكانتها المرموقة كصرح علمي وثقافي رائد. واليوم، مع دخولها المئوية، تتوج هذه المسيرة بتعيين قيادية أكاديمية بارزة تقود المرحلة القادمة بروح من التجديد والتمكين. والدكتورة سهي...

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...