التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2026

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

أهل الكهف.. جرأة سينمائية

بقلم د. نجلاء الورداني يمكن مقاربة فيلم (أهل الكهف) بوصفه نصًا سوسيولوجيًا بصريًا يعالج إشكالية الانفصال الزمني باعتباره انكسارًا بنيويًا في منظومات القيم والانتماء والسلطة، حيث يتحول الزمن من إطار محايد للأحداث إلى قوة اجتماعية فاعلة تُعيد تشكيل موقع الفرد داخل البنية الاجتماعية. * الزمن كفاعل اجتماعي يُجسّد الفيلم مفهوم الزمن بوصفه فاعلًا اجتماعيًا قاهرًا يعيد ترتيب العلاقات الاجتماعية وأنماط الوعي. فاستيقاظ أهل الكهف في مجتمع مغاير يكشف عن حالة من الصدمة الحضارية، حيث تفقد الشخصيات القدرة على تفسير الرموز والمعايير السائدة. هذه الصدمة لا تنبع من اختلاف مادي فقط، بل من انهيار المعاني التي كانت تمنح الفعل الاجتماعي مشروعيته، وهو ما يجعل الزمن أداة إقصاء اجتماعي لا مجرد تحوّل تاريخي. *الاغتراب الاجتماعي يعكس الفيلم حالة الاغتراب كما صاغها كارل ماركس، ولكن بصيغة وجودية–اجتماعية؛ إذ تعاني الشخصيات من اغتراب عن المجتمع الجديد، وعن القيم السائدة، بل وعن ذواتها التي لم تعد صالحة للاشتغال داخل الواقع الراهن. فهم لا يُنظر إليهم كذوات فاعلة، بل كـ «بقايا زمنية» أو آثار تاريخية، ما يعيد إنتاج م...

عالمٌ مُوحِش.. يُوقِد نيران الفتنةِ بِغَيرِ اكتراث!

بقلم: مريم سامح سلامُ قلبي ورَهيف إحساسي يتعارض مع العالم المُحاط به، عالم امتلأ بالوَحشةِ، والظلام، والجَشع، ولَهب الفِتنة!  أرسم الكثير من اللوحات المُمتلئة بالتفاؤل، والجمال، والبَهجة.. يستعجب مني ومِن مشاعِري مَن حولي، فَكيف أتماشىٰ مع عالمٍ مَجذُوذ؟  أختلف عنهم بِكلِّ الاختلافات، هذا قدري، أن أُولَد في وسط مُعارِض لي!  أبتغي التأقلم بلا جدوىٰ، عالمٌ مُوحِش.. يُوقِد نيران الفتنةِ بِغَيرِ اكتراث!  أَستنكِرُ منهم تارةً، ويستنكروا مني تارةً أُخرىٰ،  لا يُدرِكون أن المُهجة السالمة، الآمنة، أفضل بكثير من تلك الاضطرابات التي نَقبِع فيها، أُحاوِل أن أُثبِت أنني على حقٍ، وأن أُظهِر فنِّي وإبداعي في هذا العالم؛ لكنِّي يئست، يئستُ من النُصح مَراتٍ بلا فائدة..  هُم لا يُدركون الفَنّ! لا يَسمعون البراهين، لا يُحاولون فهم كَيف تكون المُهجة حسناءً ما دام هُناك سلام وسَكينة، تَهوىٰ قلوبهم النِزاع، وحُب النَفس!  جعلوني لا أَطيقُ نُصحهم ولا الإحسان إليهم..  ولكنِّي سأبقىٰ على ظَنِّي الصائب، سأبقىٰ مُسالمًا، مُبدعًا، رَهيف الإحساس، حتىٰ لو كان العالم كُله يتعار...

من التطفل إلى الحماية: كيف غيّرت الكاميرات علاقتنا بالأمن والعدالة؟

بقلم د. نجلاء الورداني لسنوات طويلة، كانت الكاميرات في الشوارع والمحال وأماكن العمل تُقابل بشيء من الريبة. اعتبرها كثيرون أداة للتطفل على الخصوصية، وامتدادًا لعين رقابية لا تنام، تهدد الحياة الشخصية وتُشعر الأفراد بأنهم مراقَبون على الدوام. لكن مع تصاعد معدلات الجريمة وتطوّر أساليب المجرمين، بدأت هذه النظرة تتغير تدريجيًا، لتتحول الكاميرات من رمز للانتهاك إلى أداة لا غنى عنها لحماية المجتمع وتحقيق العدالة. التحول في الموقف العام لم يأتِ من فراغ. فقد كشفت الوقائع اليومية أن الكاميرات لم تعد مجرد أجهزة تسجيل صامتة، بل أصبحت شاهدًا حاسمًا في كثير من القضايا الجنائية. تسجيلات الفيديو أسهمت في كشف ملابسات جرائم غامضة، وتحديد هوية الجناة، بل وفي تبرئة أبرياء وُجهت إليهم اتهامات خاطئة. في هذه اللحظة، لم تعد الكاميرا "عينًا متطفلة"، وإنما "عينًا محايدة" تنقل ما حدث كما هو، دون تحريف أو تأويل. كما لعبت الكاميرات دورًا وقائيًا لا يقل أهمية عن دورها الكشفي. فمجرد وجودها في مكان ما أصبح عامل ردع نفسي لكثير من المجرمين، وساهم في خفض معدلات بعض الجرائم، خاصة السرقات والاعتداءات. ...

ميزان مختل

  بقلم د. نجلاء الورداني لم يكن القبر هو ما أخافه… بل الصمت الذي سبقه. وقف الأب عند حافة الحفرة، والسلاسل ما زالت تلتفّ حول معصميه كأنها لم تعد عقوبة، بل اعترافًا متأخرًا. كان التراب رطبًا، والسماء منخفضة، وكأنها تُنصت لما لم يُقال طوال عامٍ كامل. عامٌ كانت فيه الطفلة تنظر إلى المائدة الخالية، لا تسأل، ولا تبكي. كانت تظنّ أن الصبر فضيلة، وأن الجوع امتحان، وأن الأب لا يخطئ. قالوا له: لماذا؟ فلم يجب. لم يكن وحشًا، ولا فقيرًا معدمًا. كان قاسي القلب حين أقنع نفسه أن الحرمان تربية، وأن القسوة عدل، وأن السيطرة حقّ. عامٌ كامل وهو يزن الأمور بميزانٍ مكسور: يُكثر العقاب… ويُقلل الرحمة. في الصورة، كانت هناك كفّة ميزانٍ ذهبية، لامعة، لكنها معلّقة في الهواء، بلا توازن. العدل لم يسقط فجأة، بل تآكل ببطء. الطفلة لم تمت جوعًا فقط، ماتت لأن أحدًا لم يرَ فيها إنسانة كاملة، بل عبئًا، أو درسًا، أو خطأً يجب تقويمه بالقسوة. وحين انتهى العام، لم يبقَ ما يُقوَّم. جلس الأب بعد الدفن، والدموع أخيرًا وجدت طريقها، لكنها جاءت متأخرة، ثقيلة، بلا خلاص. كان يبكي نفسه أكثر مما يبكيها، يبكي الأبوة التي سقطت، واليد ...

قلب ينبض بالحب

بقلم د. نجلاء الورداني كانت الأم تجلس كل صباح عند النافذة نفسها، لا تنتظر أحدًا، لكنها اعتادت أن تفتح القلب كما يُفتح الشباك للضوء.  خمسة كراسٍ صغيرة بقيت في الذاكرة، رغم أن الغرفة لم يعد فيها سوى الصمت.  لم تُزَح الألعاب، ولم تُطوَ الملابس، كأن الزمن خجل أن يلمس ما مسّه الحب. مات أطفالها الخمسة، ولم تمت هي.  هكذا قالت الجارات، لكن الحقيقة أنها ماتت مرات، ثم تعلمت كيف تعود.  لم تكن تبكي كثيرًا؛ الدموع نفدت مبكرًا، وحلّ محلها حزن هادئ، حزن يشبه صلاة طويلة بلا كلمات. كانت تُعدّ الخبز كما لو أنهم سيعودون جائعين، وتغلق الباب بهدوء حتى لا تُوقظ أحدًا.  تنادي أسماءهم في قلبها، لا بصوتها، لأن القلب وحده يعرف أنهم ما زالوا يسمعون.  تعلمت أن الفقد لا يعني الغياب، بل يعني أن الحب صار أثقل من أن يُحتمل. وحين يسألها الناس: كيف صبرتِ؟ تبتسم ابتسامة مكسورة وتقول: — لم أصبر… أنا فقط سلّمت. في المساء، كانت ترفع يديها إلى السماء، لا تطلب شيئًا، فقط تشكر الله أنه اختارهم خفافًا، وأنه ترك لها ما يكفي من الوجع لتبقى إنسانة. عرفت أن الأمومة لا تنتهي بالموت، وأن القلوب التي تنبض...

آثار

  قصة قصيرة بقلم: عبد الرحمن هاشم جاءتني تشكو بعض ما لاقته من تعذيبٍ على يد مُطلِّقها. كانت كلماتها تقدح فيه بغِلٍّ وحقدٍ جعَلاني أميل، بلا مقاومة، إلى الإصغاء لمأساتها معه. قالت: — تركني على وشك الولادة في دمياط، ومضى يبحث عن الآثار في وادي النطرون. عاد قبيل الفجر، وحين صرختُ في وجهه بسؤالٍ واحد: لماذا تركتني وحدي؟ كنتُ يومها نفساء من جنينٍ ولدته ميتًا! رفَع رجليَّ فجأة، واندفع بثقله عليهما حتى لامستا رأسي، ثبّتهما بيد، وبالأخرى ظل يضربني على موضع النزيف… ضرباتٌ متصاعدة، قوةً وألمًا، حتى أُغمي عليّ. لا أعلم كيف بلغ الخبرُ أهلي، لكنهم حضروا قبل أن يُنهي حياتي. أخذوني، ولم أعد إليه أبدًا. سكتت قليلًا كي تهدأ، ثم تابعت بصوتٍ أخفض: — وبعد عشر سنوات… رأيته مرتين في المنام. الأولى: كان في بئرٍ تتقد نارًا. والثانية: كان يمشي عاريًا في الطريق، يتحاشاه الناس كأنه وباء. كان في المجلس رجلٌ يجلس حيث لا تراه المرأة. التفتُّ إليه، وهمست: — أأُصدّقها؟ قال ببرودٍ لا يخلو من ضيق: — لا. قلتُ حائرًا: — ولماذا؟ ساد صمتٌ ثقيل… ثم قال: — لأنني… أنا طليقها. تحرّك الرجل ببطء، ومرَّ أمام المرأة، أدّى التح...

مصر وإخماد حرائق الشرق الأوسط

  بقلم د. عمرو سعيد زكي تُعدّ رسالة الشكر التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي أثنى فيها على "القيادة الحكيمة" لمصر في التوسط لوقف إطلاق النار في غزة، وعرض فيها استئناف الوساطة الأمريكية في أزمة سد النهضة، بمثابة اعتراف دولي صريح بالدور المحوري الذي تلعبه القاهرة كـركيزة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط و أفريقيا.  هذه الرسالة، التي جاءت في توقيت دقيق،كانت نتيجة نجاح الدولة المصرية في العمل علي حل وتهدئة العديد من الملفات الإقليمية بالغة التعقيد، أثبتت فيها الدبلوماسية المصرية فاعليتها وقدرتها على احتواء الأزمات ومنع تفاقمها. أولاً: مصر أوقفت حرب غزة ومنعت تهجير سكانها أكدت رسالة ترامب على الدور المصري الثابت في إدارة التحديات التي واجهت المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023. لقد كان الدور المصري في الأزمة الأخيرة متعدد الأوجه، لكنه ارتكز على هدفين استراتيجيين: وقف الحرب ومنع التهجير القسري لسكان قطاع غزة.  لقد مارست مصر ضغوطاً دبلوماسية مكثفة على كافة الأطراف، مستغلة علاقاتها التاريخية مع الفصائل الفلسطينية وعلاقاتها الاستراتيجية م...

هكذا بدأت الحكاية

بقلم د. نجلاء الورداني لم يكن بينهما هاتف، ولا رسالة صوتية، ولا صورة تُحذف بضغطة زر. كان بينهما كتاب. كانت البداية عادية جدًا: استعارت منه رواية، وأعادتها وفي الصفحة السابعة والعشرين خطٌّ رفيع بالقلم الرصاص كُتِبَ تحته: "الصمت لغة القلوب". ابتسمت.  وفي المرة التالية أعادت الكتاب، لكن الخط لم يكن وحيدًا؛ تحته خط آخر، وبجانبه تساؤل: “أتعرفين هذا الصمت؟” هكذا بدأت الحكاية… لم يتبادلا رسائل، بل تبادلا كتبًا. كل كتاب كان رسالة، وكل خط كان اعترافًا مؤجلًا، وكل هامش كان مساحة آمنة لقلبين يخافان الكلام المباشر. في كتب الفلسفة ناقشا الحياة دون أن يتجادلا، وفي الروايات عاشا حبًا لم يجرؤا على عيشه علنًا، وفي دواوين الشعر حددا الأبيات التي لا يستطيعان قولها بصوت عالٍ. كان يضع خطًا تحت جملة عن الانتظار، فترد هي في كتاب آخر بتحديد سطر عن الصبر. كان يترك علامة عند كلمة "اللقاء"، فتترك هي وردة مجففة بين الصفحات. كبر الحب بين الغلاف والغلاف، نضج في صمت، وتعلّم الأدب قبل الجرأة، لكن الحياة… لم تقرأ الكتب بنفس الطريقة. جاء الوقت الذي أُغلقت فيه المكتبة، وانشغل كلٌّ بطريقه، وجاءت الزيج...

الفرح المبتور

بقلم د. نجلاء الورداني كانت كلما مدّت يديها للفرح، سحبها القدر من طرف خفي. كأن الفرح خُلِق لها مبتورًا، أو كأنها خُلِقت لتتعلم كيف تبتسم للوجع. يوم تخرجها، وقفت بين زميلاتها ترفع شهادة عمرٍ من التعب. كانت تفتش بعينيها عن أبيها، عن نظرته التي كانت تُغنيها عن كل تهنئة. لكنه رحل في نفس اليوم، كأن الفرح لا ينبغي أن يكتمل بحضوره. صار التخرج بالنسبة لها ذكرى باهتة، يتغلل فيها الحزن. وحين جاء يوم مناقشة رسالتها العلمية، لبست ابتسامتها كما تلبس الدرع. كانت القاعة مليئة بالتصفيق، لكنها كانت تسمع في قلبها نداءً آخر. قبل أن تعود إلى بيتها، كان خبر الموت قد سبقها. رحل أحد أهلها، وسقط الفرح من يدها مرة أخرى، ككأس زجاجية لا تتعلم كيف تُمسك. في يوم زفافها الأول، ارتدت فستانًا أبيض، لكنه لم يكن ناصعًا كما ينبغي. قبل أن تنتهي الزغاريد، انكسر الحلم سريعًا، وخرجت من التجربة بيدٍ فارغة وقلبٍ مثقوب. قالت لنفسها: ربما لم يكن هذا نصيبي. وفي المرة الثانية، دخلت الفرح بحذر وتوجس، كمن يختبر أرضًا مُلغمة. وحين حاولت أن تصدق أنَّ هذه المرة مختلفة، بُتِرَ الفرح مرة أخرى، وكأنَّ الفرح عندها لا يطيل الجلوس. أما الثا...

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رحلة تركيب عداد

بقلم د. نجلاء الورداني لم تكن ذاهبة لتدفع فاتورة كهرباء فقط، بل كانت ذاهبة لتُثبت أن الله لم يتركها وحدها بعد. امرأة عجوز، انحنى ظهرها تحت ثقل السنين، وتحولت خطواتها إلى عدٍّ بطيء على رصيف الحياة. كانت تمسك شنطتها القديمة بإحكام، كأنها تخشى أن تسقط منها الأيام قبل أن تسقط النقود. في داخل الشنطة لم تكن هناك أوراق مالية فحسب، بل خوف مؤجل، ودعاء طويل، وصبر تعلمته من البيوت التي عاشت فيها بلا عدّاد، وبلا شكوى، وبلا ترف الاعتراض. كانت تعرف أن ما تحمله هو آخر ما تملكه، ومع ذلك مضت. في شركة الكهرباء، وقفت في الطابور صامتة. الوجوه حولها متشابهة، لكن قلبها وحده كان ممتلئًا بالرهبة. كل دقيقة تمر كانت سؤالًا مفتوحًا: هل تكفي؟ هل تُقبل؟ هل تنتهي هذه الرحلة اليوم؟ حين جاء دورها، أخرجت النقود بيدٍ ترتجف لا من الشيخوخة وحدها، بل من ثِقل المسؤولية. دفعتها إلى الموظف، ثم انتظرت. ذلك الانتظار القصير كان أطول من عمرها كله. قال الموظف أخيرًا: "كده تمام يا حاجة، اتفضلي". لم تبتسم فورًا. أعادت الفلوس الباقية إلى الشنطة أولًا، وكأنها تخشى أن يبدّد الفرح ما تبقى من التماسك. ثم رفعت رأسها قليلًا، لا ...

هندسة الرأي العام

بقلم الدكتور أحمد عيسى  استشاري العلاقات العامة والرأي العام بالمبادرة الرئاسية  أعزائي القراء والباحثين والمعنيين بمتابعة الرأي العام وأصحاب المؤسسات والكيانات التي يزيد عدد موظفيها على عشرة آلاف موظف مما يؤكد ضرورة وجود جهاز علاقات عامة داخلية وخارجية قوي معني بمتابعة الرأي العام وتشكيله وتوجيهه بما يعود بالنفع على المؤسسة وتماسكها الداخلي،  أهديكم خلاصة أبحاثي على مدار عشرين عام في مجال العلاقات العامة وبناء الرأي العام بما يخدم المؤسسات ويقوي جهازها المناعي تجاه أي أخطار محتملة أو شائعات مغرضة. في البداية، دعونا نتعرف على معنى الرأي العام؛ وهو توجه معين لدى مجموعة من الناس تجاه قضية ما سلبا أو إيجابا، وبناءً عليه، تتحرك موجات الجمهور حسب نوع كل شريحة دعما أو تقويضا لهذه القضية موضوع الرأي العام. وبعد دراسة مستفيضة، توصلت إلى أن هناك خمس أنواع من الجماهير النوعية تجاه كل قضية أو موضوع أو علامة تجارية، وهذه الأنواع الخمسة هى:  المبادر، ونسبته الطبيعية 10% ،  ورد الفعل، ونسبته 20% ،  والمشاهد، ونسبته 40% ،  والناقم، ونسبته 20% ،  والحقود، ونسبته ...

الامتحانات وكيفية إدارة الوقت

بقلم الدكتورة إيمان شاهين مع اقتراب موسم الامتحانات، يزداد شعور القلق والتوتر لدى كثير من الطلاب وأولياء الأمور، وغالبًا ما يظن الطالب أن المشكلة في صعوبة المناهج أو كثرة الدروس، بينما يكون السبب الحقيقي في أغلب الأحيان هو سوء تنظيم الوقت. إدارة الوقت الجيدة تُعد المفتاح الأساسي لتحقيق التوازن بين المذاكرة والراحة، والوصول إلى أفضل النتائج بأقل مجهود. أول خطوة في إدارة الوقت هي: وضع خطة مذاكرة واضحة ومكتوبة. عندما يرى الطالب ما عليه من مهام بشكل منظم، يقل شعوره بالتشتت والضغط. يجب تقسيم المواد على أيام الأسبوع، مع تحديد عدد ساعات مناسب لكل مادة، مع مراعاة قدرات الطالب وعدم تحميل نفسه فوق طاقته. الخطة الناجحة ليست المثالية، بل الواقعية التي يمكن الالتزام بها. ثانيًا، تأتي أهمية تحديد الأولويات. بعض المواد تحتاج إلى وقت أطول وجهد أكبر، خاصة المواد التي تعتمد على الفهم والتحليل؛ لذلك يُفضَّل مذاكرتها في أوقات النشاط الذهني، مثل الصباح الباكر، بينما يمكن تخصيص فترات أقل نشاطًا لمراجعة المواد السهلة أو الحفظ. ومن أهم أساليب إدارة الوقت تقسيم المذاكرة إلى فترات قصيرة نسبيًا، يتخللها فواصل لل...

الفرح الرقمي والصراع الرمزي: قراءة سوسيولوجية لفرح كروان مشاكل على منصات التواصل الاجتماعي

بقلم د. نجلاء الورداني شهدت الساحة الرقمية خلال الفترة الأخيرة جدلًا واسعًا حول أحد الأفراح التي تحولت من مناسبة اجتماعية خاصة إلى حدث عام متداول على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي. ولم يكن هذا الجدل نابعًا فقط من تفاصيل الفرح ذاته، بل من الكيفية التي جرى بها استقباله، إعادة إنتاجه، التفاعل معه جماهيريًا. وتثير هذه الظاهرة تساؤلات سوسيولوجية جوهرية حول تحوّل طقوس الفرح، وحدود الخصوصية، ودور السوشيال ميديا في إعادة تشكيل المناسبات الاجتماعية، حيث لم يعد الفرح حدثًا عائليًا مغلقًا، بل أصبح عرضًا جماهيريًا يخضع لمنطق المشاهدة، والتقييم، والسخرية، وفي بعض الحالات لإعادة إنتاج سلوكيات سلبية. توصيف الظاهرة وسياقها الرقمي: برز اسم كروان مشاكل في الفضاء الرقمي ليس بوصفه شخصية عامة تقليدية، بل نتيجة ارتباطه بحدث اجتماعي جرى تداوله بكثافة. وما ميّز هذا الفرح لم يكن حجمه أو تفاصيله فقط، بل الطريقة التي تم توثيقه بها، والاعتماد المكثف على الفيديوهات القصيرة التي أُعيد نشرها وتفكيكها خارج سياقها الأصلي. وقد لعبت هذه الفيديوهات دورًا محوريًا في صناعة (التريند)، حيث تحولت لقطات محددة إلى رموز...

فاطمة رشدي.. عدسة تجاوزت الصمت وفضحت التقاليد

بقلم د. نجلاء الورداني تُعدّ الفنانة فاطمة رشدي من أبرز رائدات الفن المصري في النصف الأول من القرن العشرين، إذ لم تقتصر أهميتها على ريادتها المسرحية والسينمائية، بل امتدت إلى الدور الاجتماعي الذي حملته أعمالها، حيث عكست تحولات المجتمع المصري وقضاياه البنيوية، خاصة ما يتعلق بموقع المرأة داخل منظومة اجتماعية يهيمن عليها الطابع الأبوي والاختلال الطبقي. وُلدت فاطمة رشدي عام 1908، ونشأت في بيئة شعبية تركت أثرًا واضحًا في اختياراتها الفنية، فالتحقت بفرقة جورج أبيض وتشرّبت تقاليد المسرح الجاد، مما منح أداءها عمقًا إنسانيًا وقدرة على تجسيد الصراعات النفسية والاجتماعية. وقد انتقلت هذه الخبرة إلى السينما، فكانت أفلامها بمثابة نصوص اجتماعية مرئية تعبّر عن واقع المجتمع المصري في مرحلة التحول. مؤسسة الزواج والضبط الاجتماعي: فيلم الزواج (1933) يقدّم فيلم الزواج رؤية نقدية لمؤسسة الزواج، حيث يظهر بوصفه إطارًا اجتماعيًا تحكمه الأعراف والمصالح العائلية أكثر مما تحكمه إرادة الفرد. وتُصوَّر المرأة داخل هذا الإطار كطرف خاضع، تُفرض عليه اختيارات لا تعكس رغباته الذاتية. ويمكن قراءة هذا الطرح في ضوء مفهوم ال...

الأسرة ودورها المهم في كسر دائرة العنف

بقلم د. إيمان شاهين تُعد الأسرة اللبنة الأولى في بناء شخصية الإنسان، ومنها يكتسب قيمه وسلوكياته وأنماط تعامله مع الآخرين. وعندما يسود العنف داخل الأسرة، يتحول إلى نمط متكرر ينتقل من جيل إلى آخر، فينشأ الأبناء وهم يحملون نفس السلوكيات التي عايشوها، إما كممارسين للعنف أو كضحايا له. من هنا يظهر الدور المحوري للأسرة في كسر دائرة العنف عبر الأجيال، وبناء مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا. غالبًا ما يتعلم الطفل العنف من خلال المشاهدة والتقليد، فيكبر وهو يعتقد أن القسوة وسيلة طبيعية للتعامل أو فرض السيطرة. فالطفل الذي يشهد عنفًا بين الوالدين أو يتعرض له بشكل مباشر، يكون أكثر عرضة لممارسته لاحقًا داخل أسرته المستقبلية، مما يحوّل العنف إلى حلقة متوارثة يصعب كسرها دون وعي وتدخل حقيقي. تلعب الأسرة دورًا أساسيًا في غرس قيم الاحترام والحوار والتسامح منذ السنوات الأولى للطفل. فالتنشئة القائمة على الحب والدعم النفسي، وتعليم الأبناء كيفية التعبير عن مشاعرهم بطريقة صحية، تساعدهم على إدارة الغضب وحل الخلافات دون اللجوء إلى العنف. كما أن القدوة الحسنة من الوالدين تُعد من أقوى أدوات التربية، حيث يتعلم الأبناء...

المطبلاتي..

  بقلم د. رانيا الفقي من أسوأ أنواع الشخصيات التي يمكن أن تقابلها في حياتك شخصية المطبلاتي. إنه الشخص الذي يأكل على كل الموائد، ويطبل لكل الناس، ليس له مبدأ ولا رأي، ولا عزيز ولا غالي. دائمًا يصفّق ويصفق ويصفق، ينظر لمصلحته ولا شيء إلا مصلحته ويمشي وراءها، وفي الوقت الذي لا تكون له مصلحة معك أو تنتهي مصلحته يذهب ليطبل لغيرك. تراه محبوبا عند من لم يفهمه ويكشف حقيقته. جرّب تأخد رأيه في موضوع، ستجده بلا فكر ولا رأي، ولا عارف شيء في أي شيء. شخص معدوم الثقافة، ودائمًا هو ظل لغيره، وخاصة أصحاب السلطة والنفوذ. لا عمره يكون صاحب رؤية أو مبدأ. وعلى فكرة، مهما الزمن طال سينكشف، ويظهر على حقيقته، وخاصة عندما تقع أو مصلحته تنقضي معك، ستراه اختفى وتَبَخَّر أو فص ملح وذاب! ساعتها لا تستغرب، منتظر الخير من واحد مطبلاتي؟ من المؤكد ذهب ليطبل في مكان آخر، أو اكتشف أحدا غيرك من الممكن أن يفيده أكثر!! يا ترى، قابلت المطبلاتي؟ ويا ترى كشفت شخصيته، أم ما زلت مخدوعا؟ وفي ختام نصيحتى هذه، اسمح لي أن أعرض عليك خلاصة حكاية المطبلاتي في هذه الأرجوزة المصاغة باللغة العامية: "خلى بالك من المطبلاتى  لا تاخ...

ماجستير بجامعة عين شمس يوصي بغرس ثقافة التطوع والعمل الخيري لطلاب الجامعة

كتبت مي عطية: حصلت الباحثة هيام سعيد  على درجة الماجستير بتقدير ممتاز عن رسالتها بعنوان:  "استخدام المراهقين لصفحات المؤسسات الأهلية على مواقع التواصل الاجتماعي وعلاقته بمشاركتهم في العمل التطوعي". وتشكلت لجنة الحكم والمناقشة من كل من: الدكتور محمد معوض٬ أستاذ الإعلام وثقافة الأطفال بكلية الدراسات العليا للطفولة جامعة عين شمس  والدكتور زكريا إبراهيم، أستاذ ورئيس قسم الإعلام وثقافة الأطفال بكلية الدراسات العليا للطفولة جامعة عين شمس، والدكتور محمد حسني، أستاذ ورئيس قسم العلاقات العامة والإعلان بكلية الإعلام جامعة الأزهر، والدكتور مؤمن جبر، أستاذ الإعلام المساعد بكلية الدراسات العليا للطفولة جامعة عين شمس. تناولت الرسالة أهمية التأثير المباشر لمواقع التواصل الاجتماعي علي اتجاهات المراهقين نحو دورهم المجتمعي، وانغماسهم في العمل التطوعي والخيري، من خلال إلقاء الضوء على الدور التنموي للمؤسسات الأهلية المعنية بمعايير التكافل والتضامن الاجتماعي. ومن جانبها أوصت هيام سعيد بضرورة قيام أجهزة التنشئة الاجتماعية بترسيخ القيم الإيجابية لدور المؤسسات الأهلية في المجتمع، من خلال إتباع س...

أهم تعريفات التصوف وأبرز اتجاهاته

  أ.د. محمود حمدي زقزوق تعددت تعريفات التصوف بين الصوفية، لتعكس الحالة الروحية الخاصة لكل صوفي يتكلم من حيث وقته، مع خلاف حول الأصل اللغوي لكلمة "صوفي" بين الصفاء والصوف. وفي العموم، تتجه التعريفات نحو ثلاثة محاور رئيسة، وهي: الاتجاه الأخلاقي (تخلق بأخلاق الله)، والاتجاه الزهدي (قطع العلائق)، والاتجاه التعبدي (عبادة مستحقة لله لا طمعًا ولا خوفًا). ليس هناك في الواقع تعريف واحد متفق عليه لظاهرة التصوف بين الصوفية أو بين المشتغلين بدراسة التصوف، وهناك أكثر من مائة تعريف للتصوف تعبر كل منها في الغالب عن ناحية خاصة من نواحي التصوف، أو تشير إلى وجهة نظر خاصة لصوفي معين أو إلى حالة غالبة على صوفي في وقت من الأوقات، وهكذا تشكل الحالة الراهنة الغالبة على المتصوف الأساس لفهم ما يقول: فكل واحد منهم - كما يقول الطوسي- ( يتكلم من حيث وقته، ويجيب من حيث حاله، ويشير من حيث وجده) [اللمع، ص ١٥٠]. وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي في الإحياء: (فإن عادة كل واحد منهم أن يخبر عن حال نفسه فقط)، وفي موضع آخر يقول: (وهؤلاء أقوالهم تعرب عن أحوالهم، فلذلك تختلف أجوبتهم ولا تتفق، لأنهم لا يتكلمون إلا...