التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

الإجهاد الذهني.. عندما يداهم أجسامنا كمرض صامت

بقلم: المستشارة شيماء سحاب (المحامية بالنقض والدستورية العليا) أتطرق إلى هذا الموضوع الهام بصفتي امرأةً تعيش واقع مجتمعها قبل أن أكون محامية وباحثة قانونية؛ لأحاكي وجدان كل امرأة وأم وفتاة، وأسلط الضوء على قضية تمس كل بيت. مسؤولية تُولد مع الفتاة كثيرات منا، بحكم أنهن أمهات أو فتيات يُعلْن أسرهن، يتحملن المسؤولية منذ الصغر. إنها شيمة المرأة المصرية الأصيلة التي ترعرعت على خدمة أسرتها ورعايتها؛ فالأنثى وهي طفلة في بيت أهلها تساهم في تنظيف المنزل، ورعاية إخوتها الصغار، ومساعدة الأم في كافة الشؤون المنظلية. فتصبح المسؤولية واقعاً تعيشه الفتاة منذ نعومة أظفارها، ولا سيما إن كانت الكبرى بين إخوتها، فتشبّ وتكبر على هذا النهج حتى تتزوج وتنتقل إلى حياتها المستقلة. رحلة الزوجة.. عطاء بلا حدود الزوجة -التي كانت بالأمس فتاة بيت أهلها- تصبح مسؤولة عن مملكتها الخاصة: ترعى أولادها، وتؤدي جميع واجباتها الزوجية من الاهتمام بالزوج، ومتابعة دراسة الأبناء، وإعداد الطعام، وشؤون الغسيل والنظافة، فضلاً عن الرعاية الصحية الكاملة لزوجها أو أطفالها عند تعرض أحدهم لأي وعكة؛ وهي أمور شاقة لا يستطيع أحد أن يقوم ب...

قاع الهامور.. عندما نضحك على الواقع كي نحتمله

  د. نجلاء الورداني لم يكن أحد يتوقع أن تتحول مدينة خيالية تحت سطح البحر، عرفها الملايين من خلال مسلسل )سبونج بوب)، إلى مساحة افتراضية تشبه الحي المصري بكل تفاصيله؛ سكان يتشاجرون، جيران يتدخلون في شئون بعضهم، شكاوى من الأسعار والمواصلات والإيجارات، حكايات عن الزواج والعمل والعلاقات، ونقاشات تتجاوز أحيانًا حدود الكوميديا لتلامس همومًا حقيقية. هكذا ظهر )قاع الهامور( بوصفه أكثر من مجرد مجموعة على )فيسبوك(؛ فهو نموذج لافت للسخرية الاجتماعية في البيئة الرقمية، حيث يعاد إنتاج الحياة اليومية داخل عالم خيالي، وكأن المجتمع قرر أن يقول ما يريد قوله، ولكن من وراء قناع )سبونج بوب(. # من (بيكيني بوتوم) إلى (قاع الهامور) المفارقة الأساسية في الظاهرة أن المكان خيالي، بينما القضايا التي يناقشها أعضاؤه شديدة الواقعية. فالمستخدم لا يطرح بالضرورة مشكلته بصورة مباشرة، وإنما يعيد صياغتها داخل عالم (قاع الهامور). أزمة الإيجار تتحول إلى حكاية في المدينة البحرية، الخلافات الأسرية والعاطفية تأخذ شكل قصة ساخرة، والمواقف اليومية تصبح مادة لإعادة التمثيل بالكوميكس والميمز. وهنا؛ تظهر إحدى خصائص الثقافة الرقمي...

د. عزة شبل محمد تكتب أحدث قصصها القصيرة : مغامرة مجهولة

بقلم أ.د. عزة شبل محمد أستاذة اللغويات بكلية الآداب في جامعة القاهرة وأستاذة اللغة العربية بكلية الدراسات الأجنبية في جامعة أوساكا باليابان دخلتْ تتسلل إلى المكان، متثاقلة، تمشي على مهلٍ حتى لا يلتفت إليها أحد، تُقدِّم رِجْلاً وتُؤخِّر أخرى. وبالفعل نجحتْ في عبور الباب الزجاجي للعيادة دون أن يلاحظها أحد، بعد أن ظلَّتْ واقفة أمامه لبرهة، فالكل مشغول. رجلٌ يبلغُ من العمر السبعين يرتدى نظارة ذهبية، يقرأ كتابًا في حجم قبضته، تُطِلُّ منه ورقةٌ بيضاء صغيرة، وتجلسُ بجانبه عصا عاجية ذات رأسٍ مُتحجِّرة. نجحتْ فى أنْ تمرَّ بجانبهما بهدوء، دون يلتفتا إلى تلك الفضولية التى قررتْ أن تدخلَ المكان، مستكشفةً ذلك العالم الجديد. عالَمان مختلفان، يفصلُ بينهما جدارٌ زجاجي، تلك الصغيرة تمردَتْ على عالمِها الواسع الهادئ، وقرَّرتْ الدخول إلى ذلك المكان الضيق الذي يعج بالضجيج، استطاعتْ أن تجتازَ ذلك الحاجز الوهمي بين العالمين، تخلَّتْ عن عالمِها الوردي الأخضر، وتسللتْ نحو النور المُنْبعث من المكان. تجاوزت العجوز المنهمك فى القراءة والعصا الجالسة بجواره؛ لتمرَّ بفتاةٍ صغيرة، ترتدي بنطالًا ممزقًا تتدلى منه خيوط...

على من تبكي أولًا؟

د. نجلاء الورداني لم تكن الأم تعرف أن الصباح الذي ودعت فيه أبناءها الستة سيكون آخر صباح تسمع فيه أصواتهم. كانت واقفة عند الباب، تراقبهم وهم يستعدون للخروج. واحد يربط حذاءه على عجل، وآخر يبحث عن هاتفه، وثالث ينادي على أخيه كي لا يتأخروا. أصواتهم كانت تملأ البيت. قالت لهم، كعادتها: "خلي بالكم من أنفسكم." لم تكن تعرف أن هذه الجملة البسيطة ستظل عالقة في قلبها إلى الأبد. خرجوا. وأُغلق الباب. ثم بدأ الانتظار. في البداية كان انتظارًا عاديًا.. ذلك الانتظار الذي تعرفه كل أم حين يخرج أبناؤها إلى العمل. تعدّ الساعات، تنظر إلى الهاتف، وتقول: "لسه بدري." ثم رن الهاتف. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد شيء في البيت كما كان. خبر عن حادث. سيارات إسعاف. مستشفى. أسماء تتردد. ثم اسم ابن. ثم اسم آخر. ثم ثالث. كانت تحاول أن تفهم، لكن عقلها كان يرفض أن يفهم. ستة؟ لا. مستحيل. كيف يمكن لقلب أم أن يستوعب أن أبناءها الستة الذين خرجوا معًا قد لا يعودون؟ ربما كانت في تلك اللحظة تبحث عن أي احتمال صغير ينقذها من الحقيقة. "يمكن حد غلط في الأسماء." "يمكن ولادي في مستشفى تاني." "يمكن...

الشغف بالخيانة

د. نجلاء الورداني لم تكن تعرف أن الخيانة يمكن أن تكون بهذا الوجع.  تجلس بجواره، تظن أن قربها منه أمان، وأن سنوات العِشرة التي جمعتهما كافية لأن تجعل قلبه لا يرى امرأة أخرى. كانت تظن أن البيت الذي بنياه معًا، والسنوات، والذكريات، وكل ما تقاسماه، أشياء تكفي لأن تحمي علاقتهما للأبد. ولكنه لا يقنع بالمقسوم ويتطلع للبعيد. هاتفه مفتوحًا أمامها، والمكالمات تأتي تباعًا. امرأة تتحدث معه بدلال، وأخرى تضحك معه، وثالثة ترسل له ما يجعل قلب زوجته ينقبض في صمت. لم تكن تسمع الحكايات من أحد، ولم تكن تظن أو تتخيل...  تسمع بنفسها وترى بعينيها. والأصعب من كل ذلك أنه لم يشعر أنه يرتكب ما يؤاخذ عليه أو يُعاب.  يتعامل مع الأمر ببساطة شديدة، وكأن ما يفعله مجرد حديث عابر لا يستحق أن تُبنى عليه مشكلة أو أزمة. أما هي، ففي كل مرة تسمع فيها صوت امرأة أخرى، تشعر بشيء ينكسر داخلها. لم يكن الألم فقط لأنه يتحدث مع غيرها. بل  في السؤال الذي ظل يطاردها: كيف استطاع أن يفعل ذلك وأنا بجواره؟ لماذا  يمازح  غيري، وأنا التي شاركته عمرًا وبيتًا وذكريات؟ هل وجودي إلى جواره لا يمنعه من البحث عن اهتما...

نهاية صادمة

بقلم د. نجلاء الورداني كان الخلاف بينهما صغيرًا… صغيرًا إلى الحد الذي لا يستحق كل هذا الصمت. لكنها، في تلك الليلة، قررت أن تعاقبه بطريقتها؛ أغلقت هاتفها، ورفضت أن تبادر بالحديث. كانت تعرف أنه سيعود إليها، كما يفعل دائمًا. مرّ المساء بطيئًا. كانت تفتح المحادثة كل بضع دقائق، تحدق في آخر رسالة بينهما، ثم تغلق الهاتف دون أن تكتب شيئًا. قالت لنفسها: خليه هو اللي يبدأ. وفي الصباح، رن هاتفها. رقم غريب. ترددت قبل أن تجيب. — حضرتك تعرفي لؤي؟ توقفت أنفاسها للحظة. — أيوه… جاءها صوت رجل مكسور: — أنا والده يا بنتي… لؤي توفّي الليلة الماضية! لم تفهم.. كأن الكلمات وصلت إليها بلغة أخرى. سقط الهاتف من يدها، وجلست مكانها تحدق في الفراغ. بعد دقائق، وصل إشعار على هاتفها. رسالة من حساب لؤي فتحت الرسالة بيد مرتجفة: "متزعليش مني… أنا كنت ناوي أكلمك أول ما أصحى". ظلت تنظر إلى الشاشة طويلًا. لم تبكِ.. الصدمة كانت أكبر من الدموع. تذكرت كيف أغلقت آخر محادثة بينهما متعمدة، وهي تظن أن الزمن جزء من العلاج. خلافات صغيرة لم يرد على خاطرها قط أنها تتحول إلى نهاية صادمة.

حين ينتصر المال على الدم.. قراءة سوسيولوجية في مأساة أسرة

  د. نجلاء الورداني لم تكن المأساة مجرد جريمة قتل، بل كانت لحظة انهيار كاملة لمنظومة من القيم التي ظل المجتمع يقدسها عبر تاريخه. ففي لحظة واحدة، سقط الأب ضحية للعنف، وسقط الابن أخلاقيًا قبل أن يسقط قانونيًا، ثم انهارت الأم تحت وطأة الحقيقة، بعدما اكتشفت أن شريك العمر قد رحل على يد الابن الذي حملته بين ذراعيها وربّته على أمل أن يكون سندًا للحياة، لا سببًا في فنائها. إن فداحة المشهد لا تكمن في عدد الضحايا، وإنما في طبيعة العلاقة التي تحطمت. فحين تتحول رابطة الأبوة والبنوة، القائمة على الرحمة والبر والوفاء، إلى علاقة تحكمها المصلحة المادية، فإننا لا نكون أمام جريمة فردية فحسب، بل أمام جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة منظومة القيم التي تحكم حياتنا. فالأسرة كانت، ولا تزال، المؤسسة الأولى التي يتشكل فيها الضمير الإنساني، ويتعلم فيها الأبناء معنى الاحترام، والامتنان، وحدود الحق، وقدسية الحياة. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وما صاحبها من تصاعد النزعة الاستهلاكية، أفرزت ثقافة تقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمل من أخلاق، فأصبح المال لدى البعض معيارًا للنجاح، وتراجعت مكانة ...

على السرير

  قصة قصيرة بقلم عبد الرحمن هاشم يا حسرة على العباد. نوم قليل وصمت طويل. اللهم بك أنام وبك أستيقظ، وبك أضع جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين. لم يعد جسدي كما كان؛ هينًا لينًا. أصبحت لا أرفع جنبي ولا أضعه إلا بمساعدة ابنتي وأولادها. رحمتك يا رب. الفجر يتلو الفجر والليل يعقبه النهار وحياتي كلها أصبحت إقامة جبرية فوق سرير طبي فاللهم عونك. حتى الصلاة؛ الأذان أسمعه كل صلاة فأشتاق للوضوء وللوقوف على سجادة الصلاة والعفو لا أستمده إلا منك. الحمام عجزت عن دخوله وركبوا لي قسطرة وعند الاستحمام أحمل على كرسي. لك الحمد سخرت لي من يرعاني. أنتزع نفسي من تأملاتي على إضاءة نور الحجرة. الآن دخلت هالة ابنتي -منبه هذه الأسرة- لتغير لي القسطرة وتقول "صباح الخير يا ماما". يكررون على مسمعي "أنتِ بركة هذا البيت"! حَسَنٌ ألا أخلو من نفع وأنا في هذا العمر. طاعنة في السن؛ عاجزة عن الحركة اللهم لا اعتراض. سمعي جيد بفضل الله وكلامي قليل. وتنقر على باب الحجرة هاتفة "أحمد" حتى تسمع صوته وهو يقول "صباح الخير يا ماما"، وتمر بحج...

المرض النفسي بين العلاج والوصمة!

  روان سيد  لا يمكن وصم الاضطراب النفسي كفشل أخلاقي، نظرا لكونه حقيقة إنسانية لا تقل واقعية عن أمراض القلب أو السكري، ومع ذلك،  يتعامل البعض معه من منظور مختلف، يزيد من حدة الأثر النفسي على المريض.   فحين يمرض الجسد نسرع بالمساعدة، وحين يتعب العقل ننظر إليه بريبة أو نطالبه بـ«التماسك» فلماذا إذن نحوّل الألم النفسي إلى تهمة أخلاقية؟ الوصمة حقا بمثابة سجن اجتماعي، كونها قادرة على  تحويل المريض إلى شخص منبوذ اجتماعيا، يعاني ويلات القهر الاجتماعي، والتهميش، والاحتراق النفسي.   يفضل الأغلب الاتجاه نحو العلاج في السر خوفًا من الوصم، فيخسرون فرص العمل والكرامة وينسحبون نفسيا من الحياة الإنسانية والمهنية. وتدفع الأسر الثمن أيضًا؛ فأكثر من 90% من مقدمي الرعاية يعانون عبئًا هائلًا بسبب نظرة المجتمع، وكثيرًا ما يؤخرون العلاج فيتفاقم المرض على الجميع. خرافة الضعف الشخصي نقبل أن السكري خلل في البنكرياس، لكننا نرفض أن يكون الاكتئاب اختلالًا في كيمياء الدماغ، ونتمسك بأنه «نقص إرادة».  هذه الخرافة تغذي الصورة النمطية التي تربط المرض النفسي بالخطر أو العجز، ب...

هل كل امرأة مطلقة... "ناشز"؟

  بقلم: أ.م.د. حنان عبد الباقي محمد خليل أستاذ اللغات والترجمة المساعد – جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا رسالة إلى كل رجل يصف المطلقة بـ "الناشز"، ويدَّعي عجزها عن تربية أبنائها: للأسف الشديد، أصبحت كلمة "ناشز" وصماً يُطلقه بعض الرجال الفاشلين على المرأة التي رفضت العيش تحت سيطرتهم، وتمردت على سلبهم لكرامتها ونقص رجولتهم. واليوم، تأتي الإجابة صاعقة ومُلهمة من قلب المعاناة والواقع! المرأة — سواء كانت مطلقة أم أرملة — هي أم تُحركها مشاعر الأمومة التي حباها الله بها، تماماً كأي امرأة متزوجة. لقد ارتبطت بزوجها على كتاب الله وسنة رسوله، وعاشت معه وتحملت، وأنجبت أبناءها، لكنها لم تجد رجلاً يُعتمد عليه؛ بل وجدت شريكاً من أشباه الرجال، يعمل يوماً ويتعطل أياماً، ويرى أنه غير ملزم بالسعي والاجتهاد لكسب قوت يومه، ويقتنع بأنه "لا يتزوج بالمال بل بمجهوده الشخصي"! هذا إن لم يكن مصاباً باضطراب الشخصية النرجسية، أو السادية، أو الشك والبارانويا بتشخيص الأطباء النفسيين المتخصصين. وفجأة، تجد الزوجة نفسها أمام طريقين لا ثالث لهما: أن تخضع لسيطرته المزعومة: وتخرج هي لكسب عيشها ...

حول مسألة ضياع النقاء الجيني والعرقي لبني إسرائيل

  بقلم عبد الرحمن هاشم لا توجد اليوم سلالة بشرية صافية النسب لنبي الله يعقوب عليه السلام بعد آلاف السنين من الاختلاط والتهوّد والهجرات. ذلك أن "بني إسرائيل" بمفهومهم القرآني والتاريخي الأصيل، هم القوم والأمة السلالية التي عاشت في الأحقاب القديمة مع الأنبياء (يوسف، موسى، داوود، سليمان، عيسى عليهم السلام)، وقد ذابت تلك السلالة وتشتتت واختلطت بأمم الأرض على مدى أكثر من ألفي عام. ومن وجد بعد ذلك حتى اليوم وحتى نهاية الزمان يٌمكن نسبتهم لإسرائيل فنقول إسرائيليين بناءً على الامتداد الفكري والديني والهوية المعنوية، وليس بالضرورة على "النقاء البيولوجي الجيني". والمتأمل في القرآن الكريم يجده يخاطب هؤلاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) أو (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ). والمعلوم أن من كان في المدينة لم يقتلوا أنبياء ولا قتلوا النفس في زمن موسى، ولكن لما كانوا امتداداً لهؤلاء وعلى مذهبهم وطريقتهم، خاطبهم القرآن كأنهم هم أنفسهم بنو إسرائيل. وبعبارة أخرى فـ "بنو إسرائيل" يُطلق في القرآن...

عندما تتحول الشهرة إلى مخاطرة.. الرقص فوق مواسير الغاز وإنذار بخطر التقليد

د. نجلاء الورداني في زمن أصبحت فيه المشاهد المثيرة للجدل أسرع طريق إلى الانتشار، لم يعد البعض يتردد في تجاوز حدود العقل والمنطق بحثًا عن دقائق من الشهرة أو الإعجاب. ومن بين هذه المشاهد، أثار مقطع فيديو لشاب يرقص فوق مواسير الغاز الطبيعي في أحد الأفراح بمنطقة بشتيل موجة واسعة من الغضب والاستياء، ليس لأنه مجرد تصرف طائش، بل لأنه كان يمكن أن يتحول في لحظة إلى كارثة تهدد حياة عشرات الأبرياء. لقد كان مشهدًا صادمًا أعاد إلى الواجهة قضية غاية في الأهمية، وهي تراجع الوعي بالمخاطر والاستهانة بالمرافق العامة التي تمثل شريانًا أساسيًا في حياة المواطنين. إن خطورة هذه الواقعة لا تكمن في الرقص فوق مواسير الغاز فحسب، وإنما في الرسالة الضمنية التي قد تصل إلى الآخرين، وكأن هذا السلوك أمر عادي أو وسيلة لتحقيق الشهرة. فمواسير الغاز ليست مكانًا للاستعراض أو الترفيه، وإنما جزء من بنية تحتية شديدة الحساسية، وأي عبث بها قد يؤدي إلى تسرب الغاز أو وقوع انفجار يهدد الأرواح والممتلكات، ويعرض مجتمعًا كاملًا للخطر. كما تكشف الواقعة عن التحول الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في مفهوم الشهرة، حيث أصبح "التري...

حين يتنكر العلم للإنسانية: تأملات في فجيعة "الأم والابنة"

بقلم: المستشارة شيماء سحاب المحامية بالنقض والدستورية العليا ما زلتُ حقيقةً أعاني من هول الصدمة، وكأنني أعيش في كابوسٍ ثقيل يأبى أن ينتهي. كيف يمكن لامرأةٍ مثقفة، وقانونيةٍ يُفترض أن تكون حصناً للدفاع عن الحقوق والعدالة، أن تتحول في لحظةٍ فارقة إلى قاتلة؟ ومن المجني عليها؟ إنها الأم؛ مصدر الأمان، والسند، والحضن الدافئ الذي لا يُعوض. أيّ ذنبٍ اقترفته تلك الأم المسنة لتكون نهايتها بهذه الوحشية التي تفطر القلوب؟ مهما بلغت الخلافات أو تعقدت الظروف بين الإنسان ووالديه، هل يعقل أن يصل الانتقام إلى حد التمزيق والتقطيع؟ ومهما تذرّع البعض بوجود اضطرابات أو أمراض نفسية، فهل يُعد ذلك مبرراً مقنعاً لجريمةٍ يأنف منها العقل ويبرأ منها الضمير؟ إن هذه الجريمة تتجاوز الحدود الإنسانية، وتستوجب أقصى درجات العقاب، بل إن الفاعلة لا تستحق حتى حمل لقب "محامية"، فهذا اللقب النبيل أُسس ليُمنح لمن يستحقه قيمةً وقامةً، لا لمن يُمزق أقدس الروابط البشرية. كيف لبيتٍ أُغلق على أمٍ وابنتها لتبادل الرعاية، أن يتحول إلى مسرحٍ لجريمة بشعة؟ أمٌ مسنة قضت عمرها وسهرت لياليها في رعاية ابنتها حتى كبرت وغدت قامةً قا...

التنمر الوظيفي وانعكاساته على رأس المال البشري والأداء المؤسسي: مقاربة سوسيولوجية في ضوء التحولات التنظيمية المعاصرة

د. نجلاء الورداني مقدمة شهدت بيئات العمل خلال العقود الأخيرة تحولات متسارعة فرضتها العولمة، والتقدم التكنولوجي، وتزايد حدة المنافسة بين المؤسسات، الأمر الذي انعكس على طبيعة العلاقات التنظيمية داخل بيئة العمل. وفي ظل هذه التحولات، برزت العديد من السلوكيات التنظيمية السلبية التي تهدد استقرار المؤسسات، ومن أبرزها التنمر الوظيفي، الذي أصبح يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه إدارات الموارد البشرية وصناع القرار، لما يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية تمتد من الفرد إلى المؤسسة والمجتمع. ولم يعد التنمر الوظيفي يُنظر إليه بوصفه خلافًا شخصيًا بين العاملين، بل أصبح ظاهرة تنظيمية مركبة ترتبط بطبيعة الثقافة المؤسسية، وأنماط القيادة، وتوزيع القوة داخل التنظيمات الرسمية. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن السلوكيات التنمرية تتجسد في الإقصاء المتعمد، والإهانة المتكررة، والتهميش، والتقليل من الكفاءة المهنية، ونشر الشائعات، والتهديد، وإساءة استخدام السلطة، وهي ممارسات تؤدي إلى تقويض الشعور بالأمان الوظيفي، وإضعاف الثقة المتبادلة، وتراجع الالتزام التنظيمي. وتتجاوز خطورة التنمر الوظيفي حدود الأذى النفس...

الدكتور أحمد علي سليمان يعزي زميله الأستاذ سعد رواش في وفاة شقيقه الأكبر

يتقدَّم الدكتور أحمد علي سليمان، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وأسرته، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى سعادة الأخ والزميل الحبيب الأستاذ سعد رواش، مدير إدارة اعتماد المؤسسات التدريبية بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، في وفاة شقيقه الأكبر الأستاذ محمد أحمد رواش والذي انتقل إلى جوار ربه الرحيم يوم الأحد 19 يوليو 2026م، سائلين المولى عز وجل أن يتغمَّده بواسع رحمته ومغفرته. وأكد فضيلة الدكتور أحمد علي سليمان أن فقد الأحبة من أشد الابتلاءات، وأن المؤمن يستقبل قضاء الله وقدره بالصبر والاحتساب، راجيًا من الله تعالى حسن الجزاء وعظيم الثواب، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. ودعا الله تعالى أن يجعل الفقيد من أهل الرحمة والرضوان، وأن يبدله دارًا خيرًا من داره، وأن يكرم نزله، ويوسع مدخله، ويغسله بالماء والثلج والبرد، وينقه من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض م...

الموت ... الفيلسوف الصامت

د. نجلاء الورداني لا توجد حقيقة يلتقي عندها جميع البشر كما يلتقون عند حقيقة الموت. فهو اليقين الوحيد الذي لا يختلف عليه اثنان، لكنه في الوقت نفسه أكثر الحقائق غموضًا وإثارةً للتساؤل. فمنذ أن وعى الإنسان وجوده، أخذ يتساءل: لماذا نموت؟ وهل الموت نهاية كل شيء أم بوابة إلى وجود آخر؟ وهل الخوف من الموت هو خوف من الفناء، أم خوف من حياة لم تكتمل؟ ولأن الموت يمس جوهر الوجود الإنساني، فقد ظل حاضرًا في قلب التفكير الفلسفي عبر العصور، لا بوصفه حدثًا بيولوجيًا فحسب، وإنما باعتباره مفتاحًا لفهم معنى الحياة ذاتها. فالفلسفة لم تنظر إلى الموت باعتباره نقيض الحياة، بل رأته في كثير من الأحيان القوة التي تمنح الحياة قيمتها، لأن الأشياء تكتسب معناها حين ندرك أنها ليست أبدية. كان سقراط من أوائل الفلاسفة الذين واجهوا الموت بثقة نادرة. فعندما صدر حكم إعدامه، لم ير فيه مأساة، بل اعتبره رحلة نحو حقيقة لا يعرفها الإنسان إلا إذا تجاوز حدود الجسد. أما أفلاطون فقد بنى فلسفته على خلود النفس، ورأى أن الموت ليس إلا تحررًا من سجن المادة، وعودةً إلى عالم الحقيقة الخالدة. وفي المقابل، ركز أرسطو على الحياة العملية، مؤكدً...

السبب والواسطة والسر الساري

بقلم عبد الرحمن هاشم أبدأ مقالي بالسؤال: هل من معاني لفظ (السبب) الواسطة؟ والإجابة هي: نعم، بكل تأكيد. وقد ورد في لغة العرب وفي السياقات الفلسفية والبلاغية، أن "السبب" يأتي بمعنى الواسطة التي تُوصل إلى الغاية أو النتيجة. ومن هنا نفهم قوله ﷺ: «إنَّما أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي»؛ أن الأصيل المطلق هو الله جل جلاله (المُعطي)، والواسطة المأذونة والسبب والقناة الفياضة هو الجناب النبوي ﷺ (القاسم). وأننا إذا استعنا بالجناب النبوي الشريف، فإنما نستعين بالسبب والواسطة التي قسَمها الله لنا وشرعها لنصل إلى عطائه. وكما يقول العوام في فلسفة تعبر عن فطرة نقية صافية: نحن بمحمد ومحمد بالله. وعود إلى لسان العرب، يقول ابن منظور: «السبب: الحبل، والسبب: ما يتوصل به إلى الشيء». إذاً، الحبل هو "الواسطة" التي تمسك بها لتصل إلى الماء في البئر مثلاً. وفي العرف الاجتماعي اليوم، عندما نقول "فُلان كان سبباً في توظيف فلان"، فإننا نعني تماماً أنه كان واسطة خير أو وسيطاً حقق هذا الأمر. وعندما نتحدث عن "السبب والنتيجة" (أو العِلّة والمعلول)، فإن السبب هو الواسطة التي أدت إل...

الكلمة الملعونة

  بقلم المستشارة/ شيماء سحاب (المحامية بالنقض والدستورية العليا) نعم، هي كلمة واحدة من بضعة أحرف، لكنها ما إن تخرج من بين الشفاه، حتى تتحول الأحلام الوردية إلى كوابيس مزعجة، وينقلب هدوء الحياة إلى جحيم مستعر يسوده المرار والندم.. إنها كلمة "الطلاق". يا سيدتي، عندما تصل الأمور بينكِ وبين زوجكِ إلى حد المطالبة بهذه الكلمة الملعونة، فإنكِ – في لحظة غضب – قد لا تعين تماماً حجم الخراب الذي سيعقبها، والدمار الذي سيلحق بكيانكِ أنتِ شخصياً، قبل أن يلتهم كيان أسرتكِ. سيدتي.. هل فكرتِ ولو لدقيقة واحدة كيف ستواجهين المجتمع وعواصف الحياة بمفردكِ؟ هل تأملتِ حجم المسؤولية الجسيمة التي ستقع على عاتقكِ وحدكِ؟ إنها مسؤولية "التربية" وصناعة مستقبل أطفالكِ! في تلك اللحظة – لحظة وقوع الطلاق ونفاذه – لن تجدي حولكِ مَن يوجهكِ، أو يشد من أزركِ، أو يقاسمكِ هذا الواجب المقدس الذي جُبلت الفطرة على أن يشارككِ فيه الزوج من البداية وحتى النهاية. حينها، ستسيرين في طريقكِ بمفردكِ.. بلا سند، وبلا حماية.. بلا زوجكِ! ومهما بلغت قوتكِ، وتعاظمت قدرتكِ على التحمل، هل ساءلتِ نفسكِ يوماً: كيف ستقومين بكل...